البيهاريون في بنغلاديش أقلية ترزح تحت نير القمع

الخميس 2014/07/24
الرعب الذي خلّفته أعمال العنف في نفوس البيهاريين جعلهم يائسين من سبل الخلاص

دكا – الأوضاع المزرية التي ترزح الأقليات المسلمة في جنوب آسيا تحت وطأتها جرّاء المضايقات والعنف المتزايد المسلّط عليها، أضحت تطرح أكثر من تساؤل حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء نموها واقترانها بنعرات عنصرية متطرفة تتناقض مع أبسط قيم التسامح والتعايش. أسباب يبدو أنّها سياسية بالأساس مثلما هو الحال في بنغلاديش التي شهدت أقلية البيهاريين المسلمين فيها، في الآونة الأخيرة، فصلا جديدا من مسلسل الاعتداءات التي تطالهم على أيدي مواطنيهم البنغاليين.

وأظهر الهجوم العنيف الأخير على البيهاريين الناطقين بالأوردية في دكا، عاصمة بنغلاديش، احتياجات جديدة إلى الحماية المستمرة لهذه الأقلية، حيث يزعم قادة المجتمع وجود تواطؤ سياسي في الهجوم.

فقد اندلعت اشتباكات في 14 من يونيو 2014 بين البيهاريين والبنغاليين، الذين يشكلون غالبية السكان في بنغلاديش، في ميربور على مشارف العاصمة دكا، ممّا أدى إلى مقتل عشرة بيهاريين وإحراق عدد من المنازل، ولم يتم إصدار أيّ أوامر اعتقال حتى الآن.

أحد الضحايا الذين تضرّروا جرّاء هذه الحادثة، يدعى ياسين ويبلغ من العمر 50 عاما، قال : “ماذا يمكنني أن أقول لكم … لقد فقدت كل شيء”. فقد لقي تسعة أفراد من أسرة ياسين حتفهم عندما تعرض منزله للحرق، بما في ذلك زوجته وأولاده وأحفاده. أما ابنته التي نجت من الحادث فهي في حالة حرجة في مستشفى دكا. ياسين أضاف قائلا، وقد بدت على وجهه ملامح تأثّر شديد: “لا أعرف كيف يمكنني إنقاذ حياتها”.

ويذكر أنّ ثلاثمئة ألف مسلم بيهاري منتشرون في 116 مخيما “قذراً” في بنغلاديش اليوم. وقد جاء العديد منهم من ولاية بيهار الهندية، وانتقلوا إلى باكستان الشرقية (بنغلاديش حاليا)، أثناء وبعد، أحداث التقسيم التي حصلت في العام 1947. وقد أدت معاملة حكومة باكستان الغربية التفضيلية للمتحدثين بالأوردية إلى خلق توترات بين البيهاريين والبنغاليين، والتي زادت شدتها عندما وقف العديد من البيهاريين إلى جانب الجيش الباكستاني الذي يتحدث الأوردية في حرب التحرير الدموية عام 1971.

أصدرت المحكمة العليا في عام 2008 قرارا تاريخيا يقضي باعتبار البيهاريين مواطنين في بنغلاديش

وقد أصدرت المحكمة العليا في عام 2008 قرارا تاريخيا يقضي باعتبار البيهاريين مواطنين في بنغلاديش، ولكن حقوق المواطنة ترجمت إلى حدّ أدنى من المكاسب، حيث لا يزال العديد منهم يعيشون على أراض مملوكة للحكومة، ممّا يجعلهم عرضة لسوء المعاملة والتلاعب السياسي.

وفي هذا السياق، قال شودري آر أبرار، أستاذ العلاقات الدولية ومنسق وحدة أبحاث اللاجئين وحركات الهجرة في جامعة دكا: “لم يكن رد فعل الحكومة (على عنف يونيو) مقبولا على الإطلاق. لقد وقعت مذبحة أمام أعين رجال الشرطة والأمن”.

ومن جهة أخرى، قال مسؤولو الشرطة إنّ الاشتباك اندلع نتيجة شجار وقع عندما عمدت مجموعة من الأطفال إلى إطلاق ألعاب نارية خلال مناسبة دينية، غير أنّ أعضاء المجتمع البيهاري يشكّون في الموضوع، ويتهمون سياسيا محليا بالتحريض على الهجوم في محاولة منه للاستيلاء على أراضيهم.

حيث قال صدقات خان فاكّو، رئيس حركة إعادة تأهيل الشباب الناطقين باللغة الأوردية (USPYRM) : “السبب واضح. لقد تم ذلك للاستيلاء على الأراضي. لقد أحرقت مخيمات أخرى في الماضي بنفس الطريقة للاستيلاء على أراضي البيهاريين”.

يذكر أنّه في أعقاب حرب عام 1971، اضطر العديد من البيهاريين إلى الفرار من ديارهم وترك ممتلكاتهم، وقد أعيد إسكانهم بعد ذلك في 116 مستوطنة، أقيم الكثير منها على أراض حكومية. وفي بعض المناطق، تمّ توفير ملاجئ مؤقتة لهم. وعلى الرغم من منحهم حقوق المواطنة في عام 2003، إلا أنه لم يتم إقرار أيّ حل دائم للأرض التي يعيشون عليها، كما تتسبب إقامتهم على الأراضي الحكومية في وضعهم تحت رحمة القادة السياسيين، غير المتعاطفين معهم في الغالب.

300.000 مسلم بيهاري منتشرون في 116 مخيما في بنغلاديش

وفي هذا الإطار، أضاف صدقات خان، أنّه منذ عام 1995، أصدرت السلطات من وقت إلى آخر إشعارات لهم بمغادرة الأراضي، لكنّه استدرك قائلا: “ولكن أين سنذهب إذا لم يتم إعطاؤنا أماكن لإعادة التأهيل؟”

ومن جهته، قال خبير الهجرة أبرار إنّ “هناك خوفا حقيقيا بين سكان المخيم من التّعرض للطرد من المخيمات الّتي تقع في أجزاء مختلفة من البلاد”. ودعا الحكومة إلى إعلان المخيمات مستوطنات دائمة لزيادة الأمن إلى أن يتم التخطيط لعمليات إعادة التأهيل.

هذا ويتهم بعض سكان ميربور، حيث وقع الاشتباك، الشرطة بالتحيز في التعامل مع الحادث. حيث قالت بيغوم، التي تعرضت ساقها للكسر: “ساعدت الشرطة المهاجمين وأطلقت عناصرها الرصاص والغاز المسيل للدموع في اتجاهنا عندما هوجمنا من قبل السكان المحليين البنغاليين”.

من جهته قال الناشط الشبابي فاكّو: “قام رجال الشرطة بمضايقة أفراد المجتمع البيهاري لفترة طويلة وقد قتل بعض أعضاء مجتمعنا خارج نطاق القانون لمرّات عديدة في الماضي”.

وتابع حديثه قائلا: “لقد سبق أن هدّد النائب إلياس ملا، من الحزب المحلي الحاكم (رابطة عوامي) قبل أيام من وقوع الحادث بأنّه سيلقن البيهاريين درسا قاسيا، وقد شارك نشطاء من حزبه في الهجوم”.

غير أنّ إلياس ملا كذّب هذه المزاعم، حيث قال للصّحفيين: “إنني صديق مخلص للبيهاريين. وليست لي أي علاقة بأعمالالقتل والحرائق المتعمدة التي وقعت في مخيمهم”.

كما أنّ كمال حسين، المفوض المساعد في مركز شرطة منطقة بالابي في ميربور، نفى تورّط الشرطة قائلا: “صحيح أننا استخدمنا الرصاص، ولكن لم تكن لدينا أيّ وسيلة أخرى. لو لم نتدخل، لازدادت الخسائر.وقد اتّخذنا تدابير لوقف الحرائق في المنازل”.

بدوره، قال نور خان، مدير مجموعة حقوق الإنسان “ساليش كندرا” إنّ تحقيقات الشرطة لا تكفي، وهناك حاجة إلى تكليف لجنة تحقيق قضائية للتحقيق في الحادث، فعندما يتم اتهام زعيم في الحزب الحاكم، فمن الطبيعي أن لا تؤدي أجهزة الدولة عملها بالشكل الملائم لتقديم الجناة إلى العدالة، لذلك طالبنا بتكليف لجنة تحقيق قضائية للتحقيق في الحادث وتقديم الجناة إلى العدالة.

هذا، ويقول آخرون إنّ الحل على المدى الطويل يكمن في توفير أراض دائمة. حيث أوضح محمد حسن، الأمين العام لجمعية جيل الشباب للمجتمع الناطق بالأوردية، أنّ “الأمر الأكثر أهمية هو إعادة التأهيل. فمن دون إعادة التأهيل، ستستمر مشاكلنا”.

13