البيوت الشعرية العربية مؤسسات لسجن الشعر

بيوت الشعر سجنت الشعر عوض أن تحرره وزادت من حدة أزمته حيث لا يملك الكثير منها مشروعا حقيقيا لإسعافه بقدر ما يحاول ملأ الفراغ بتظاهرات مكررة.
الأربعاء 2021/03/31
الشعر والشاعر لم يخلقا لقيد النمطية (عمل للفنان صادق كويش)

الشعر فن حي وعلى مدى قرون رافق الإنسان منذ بداية تشكل وعيه الجمالي والفكري. وقد قدم الكثير للفنون الأخرى مثل المسرح والتشكيل وكتابة السرد ومن بعدها السينما وحتى الفوتوغرافيا وغيرها، فكل الفنون استفادت من الشعر، ولكن أزمة التداول التي يعيشها هي أزمة مركبة ويمكنه الخروج منها، لكن ليس بما تفعله بعض مؤسسات "بيوت الشعر".

احتفت العديد من الدول منذ أيام باليوم العالمي للشعر، ونظمت بهذه المناسبة الكثير من التظاهرات من أمسيات شعرية وجلسات حوارية وخاصة منها الافتراضية من دون حضور جمهور، كما وجدنا هذا العام مؤسسات قدمت بعض الإصدارات الشعرية، كل ذلك في ظل واقع متأزم للشعر الذي ما زال لم يجد له المكانة التي يستحقها في سوق النشر وصناعة الكتب.

العالم ما زال يحتاج إلى الشعر، هذا ما لمسناه في كلمة المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي التي قالت بمناسبة اليوم العالمي للشعر هذا العام “الشِعر ركن من أركان كينونتنا، فهو قوت القلوب الذي نحتاج إليه جميعاً رجالاً ونساءً، نحن الذين نحيا معا الآن وننهل من معين تراث الأجيال السابقة ما يعيننا على مواصلة حياتنا، ونحن المؤتمنون على هذا العالم الذي سيعيش فيه أولادنا وأحفادنا”.

محاولات البيوت

للشعر مكانة مخصوصة في المدونة الأدبية العربية التي تسيدها لقرون، ولذا اختارت العديد من الدول في إطار اهتمامها بهذا الفن الأدبي العريق أن تنشئ مؤسسات خاصة به وبكتّابه كان أغلبها تحت اسم “بيت الشعر”.

الشعر فن لا أحد يحتكره (عمل للفنان صادق كويش)

بيوت الشعر بدأت من تونس والمغرب وانتشرت في بقية الأقطار العربية، وشهدنا في السنوات الأخيرة بعث بيوت شعر جديدة في عدد من المدن العربية بمبادرة من إمارة الشارقة، من الأقصر إلى الخرطوم والقيروان وتطوان ومراكش ونواكشوط وغيرها، ولكنها كانت متفاوتة في مستوى ما قدمته للشعر والشعراء وفي مستوى حضورها الإعلامي والتظاهرات والفعاليات التي تقدمها.

ونشير مثلا إلى المستوى المهم الذي يقدمه بيت الشعر المغربي وخاصة في جائزته العالمية “الأراكانة” التي باتت من أهم الجوائز الأدبية، وموعدا سنويا ينتظره محبو الشعر، وبغض النظر عن توافقنا مع التجارب المتوجة أو لم نتوافق، فإن الجائزة تظل منجزا هاما للشعر ومناسبة لتسليط الضوء لقراءة العديد من التجارب.

من ناحية أخرى قدم بيت الشعر المغربي عددا هاما من الإصدارات الشعرية خاصة لشعراء شباب، إضافة إلى محاولة تسليطه الضوء على الكثير من الظواهر الشعرية والأدبية العربية والعالمية عبر مجلة شعرية هامة.

مسألة التركيز على إصدار مجموعات شعرية للشعراء في ظل عالم النشر الذي بات يعاني “فوضى الرواية” أمر محمود انخرطت فيه بيوت أخرى مثل تطوان ومراكش وسابقا بيت الشعر التونسي، فيما اختارت بيوت أخرى أن تقتصر أنشطتها على الأمسيات الشعرية التي تمثل متنفسا للشعراء وفرصة لتقديم نصوصهم.

لكننا نتساءل بشكل مشروع حول كل ما ذكرناه، هل ساهم في تحسين حال الشعر والشعراء؟ وهل تمكن من تطوير الفن الشعري نصا وتقبلا وقراءة؟

سجن الشعر

لقد تغير المشهد الثقافي بفعل الإنترنت ووسائل التواصل وبفعل تغير الواقع الاقتصادي والسياسي تجاه التحرر، والتعليمي تجاه التركيز على العلوم واللغات الحية والاجتماعي في ظل ظواهر متعددة جعلت الحياة مضغوطة للغاية، كل ذلك غير حتى النفسيات والإقبال على المعارف والفنون من قبل المواطنين.

للشعر مكانة مخصوصة في المدونة الأدبية العربية التي تسيدها لقرون (لوحة: محمد خياطة)

الكثير من الناس باتوا يبحثون عن الراحة والترفيه، وهي ليست وظيفة الشعر المحورية حتما. هذا الفن الذي يعاني من كل النواحي، من ناحية كتّابه الذين يتهافت بعضهم خارج دائرة الزمن، ومن ناحية سوق صناعة الكتاب التي تشكو من كساد الشعر وتتجنب نشره، ومن ناحية تراجع جمهوره، كل ذلك رغم وجود الكثير من التجارب الشعرية الهامة التي تحاول تطوير الشعر والخروج به من الدوائر الضيقة.

إن الأمسيات والأصبوحات وحتى القيلولات الشعرية بشكلها الحالي، مجموعة شعراء يقرأون لبعضهم بعضا وعازف عود أو أي آلة حزينة، انتهت وولّت، وما عاد يرغب عاقل في متابعتها، أو الانخراط فيها لا أمام الميكروفون ولا خلفه.

أما مسألة الكتب الشعرية فلا تكفي طباعتها، وإنما يجب توزيعها والعمل على حسن الاختيار وعلى طرق مبتكرة في الطباعة والتوزيع ليحقق الكتاب تواجدا معقولا ولا يبقى رهين الرفوف والمقالات الخبرية في بعض المواقع.

يحتاج الشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثورة في تداوله، وربما ساهم فيسبوك في جزء منها وأتاح الفرصة للكثيرين لكتابة الشعر، رغم أن سواده الأعظم مجرد ركاكة، لكن يحسب له أنه أتاح الشعر للجميع، وهكذا من المفروض أن يكون، إنه فن لا أحد يحتكره، فيما يتطلب فيضان محمود كهذا تكريس الرؤى النقدية وتجديدها باستمرار لفرز التجارب الشعرية من النصوص العارضة، وهذا ما تحاوله الكثير من المنابر الصحافية العربية والنقاد والشعراء والكتاب.

ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من التظاهرات التي تجمع الشعر بالمسرح أو الموسيقى أو التشكيل، وهي خطوات جيدة تتطلب أكثر وعيا وترسيخا لتأكيد تفاعل الفنون.

لكن ونحن نحرر الشعر من طرق تداوله التقليدية علينا الحذر ممن يقول بضرورة عودة الشعر إلى الشفاهية، وهذا أيضا خطير يخرج الشعر من التدوين ويقحمه في الانفعال الطارئ ويسقطه من التداول الرصين.

الإنترنت غيرت المشهد الثقافي، كما تغير الواقع السياسي والتعليمي والاقتصادي، والكثير من الناس ما عاد يعنيهم الشعر

لا ننكر أن بعض بيوت الشعر حاولت تقديم تظاهرات أو فعاليات، لكنها كرست من ناحية أخرى أزمة الشعر عبر حصره في صوره النمطية، هذا علاوة على أن بعضها عاد ليكرس أنماطا شعرية على حساب أخرى، مثل تكريس القصيدة العمودية ودقة العروض على حساب مساحات شعرية أخرى، حيث تخضع إدارة هذه المؤسسات إلى ذائقة من يديرونها، وليسوا كلهم شعراء قادرين على تقديم الإضافة للشعر الذي لطالما عرف بتمرده الدائم على كل المساكن والسواكن.

بعض بيوت الشعر إذن سجنت الشعر عوض أن تحرره، وزادت من حدة أزمته، حيث لا يملك الكثير منها مشروعا حقيقيا لإسعاف الشعر، بقدر ما يحاول ملأ الفراغ بتظاهرات مكررة، وإرضاء بعض الأسماء والأدعياء، فيما يمكنها أن تقوم بما هو أفضل، وهو ما ذهب إليه بعضها مثل دار الشعر بتطوان التي حاولت الانفتاح على فضاءات خارجية وتحاول الابتكار في تظاهراتها، بينما يبقى المطلوب المزيد من توحيد الجهود، والتركيز على الأنشطة الجماعية وتحفيز التجارب الشعرية من خلال جوائز جيدة والتركيز على الجانب الإعلامي وخلق عالم نشر أكثر تطورا، والابتعاد عن التظاهرات الصورية المناسباتية.

ما يقال من أن الشعر لم يعد له دور أمر مغلوط حتما، إنه زمن الشعر أكثر من أي وقت مضى، فقط يستحق من يؤمنون بالشعر لا بتكريس ذواتهم.

14