البُعد التراجيدي في مسيرة الإسلام السياسي

الذين يرفعون شعار الأيديولوجيا الإسلامية كنظام يصلح لحكم المجتمع والدولة، هم جماعة من الوصوليين وقد احتارت في تصنيفهم كل القراءات، وفشلت في المراهنة عليهم كل السياسات، ذلك أنهم يمتلكون قدرة غريبة على التلون ونكث العهود وركوب الموجات من أجل الاستمرار كوسيلة وغاية.
الأربعاء 2016/10/12
في كل الاتجاهات وعكسها مقابل البقاء في حالة سير

توقّع عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا بورغات أن يكون الإسلاميون امتدادا طبيعيا لحركات الاستقلال الوطني في دول الجنوب، واعتبرتهم الصحافية الشهيرة كارولين فورست، استمرارا للأيديولوجيات الفاشية، واعتبرهم المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين إفرازا لمنظومة الرّأسمالية العالمية، بل لعلّهم الأيديولوجية الأكثر تناغما مع مقتضيات العولمة الرّأسمالية وفق تحليل عالم الاجتماع الفرنسي أولفييه روا.

وحاول المفكر السويسري طارق رمضان أن يبحث لهم عن موقع داخل اليسار العالمي، وقبل ذلك، وظفهم جيمي كارتر ورونالد ريغن كسلاح فتاك في الحرب على الشيوعية “الملحدة”، ثم وظفهم المحافظون الجدد في نهاية الألفية الثانية وهم يشقّون طريقهم التي قالوا إنها ستبدأ من بغداد.

ويعتقد المناضل البريطاني المعروف كريس هرمن بإمكانية التحالف معهم أحيانا حين يكونون خارج السلطة، ويظنّ الصحافي المثير للجدل ثييري ميسان أنهم حلفاء إستراتيجيون في مناهضة الإمبريالية والصهيونية، ويراهم الفيلسوف الأميركي المحافظ برنارد لويس أعداء لقيم الحداثة والديمقراطية، ويؤمن الفيلسوف اليساري ألان غريش بإمكانية تكيّفهم مع مقتضيات الحداثة ولو في حدود معيّنة، وفي كل الأحوال، ليس هناك من تيار اختلف حوله الباحثون والمفكرون والفاعلون السياسيون مثلما اختلفوا حول الإسلام السياسي.

وقد طال الاختلاف معظم الأوساط العلمية والسياسية، منهم علماء الاجتماع، علماء السياسة، يساريون بكل أطيافهم، بيئيون بكافة أنواعهم، مناضلات نسائيات، ناشطون حقوقيون، نقابيون، إلخ.

نحن بكل المقاييس العلمية والسياسية أمام تيار على درجة عالية من التعقيد، بحيث فرض ارتباكا في المواقف واختلافاً كبيرا في التقديرات، وأثار الكثير من التوتر والتضارب في الرهانات، إلا أن السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الظاهرة نفسها، ذلك أننا في واقع الحال أمام تيار متقلب الأحوال والأشكال ويمتلك قابلية مذهلة للتحوّل من موقف اجتهادي إلى موقف مختلف، كما أن له قدرة هائلة على الانتقال من القضية التي تعني مصلحة الدين إلى نقيضها الذي لا يجانب بدوره مصلحة الدين، ومن الرّأي الشرعي إلى خلافه الشرعي أيضا.

كيف لا والنص الديني نفسه حمال أوجه، وأنزل القرآن على سبعة أحرف، وبه آيات متشابهات، إلخ. أما مدونة الحديث، فإنها تتّسع لكل المفارقات التاريخية. وحتى «مصلحة الأمة» أو «مصلحة الدين»، كما يحب أن يقول الإسلاميون، ليست في واقع الحال سوى عنوان افتراضي قد نكتب تحته أي شيء.

تيار على درجة عالية من التعقيد، بحيث فرض ارتباكا في المواقف، وأثار الكثير من التوتر والتضارب في الرهانات

ثمة أمثلة صارخة على سرعة التقلب الدراماتيكي في المواقف والمواقع والقرارات. وعلى سبيل المثال، فقد سبق للإخوان المسلمين أن حاولوا استمالة الملك فاروق في مصر، لكنهم سرعان ما اصطدموا به في الأخير، تحالفوا مع جمال عبدالناصر الذي راهن عليهم بادئ الأمر، فطمعوا في ترويضه أخيرا، ثم اصطدموا به ليشنّ عليهم حربا بلا هوادة، وتحالفوا أيضا مع أنور السادات الذي منح لنفسه لقب “الرئيس المؤمن”، ولم يصمد التحالف طويلا حتى تهاوى.

وفي السودان تحالف حسن الترابي مع كل الرّؤساء على التوالي (النميري، المهدي، والبشير)، ومنح بركته للانقلابات العسكرية التي حملتهم إلى السلطة، وكان يتعاون معهم في قمع القوى التقدمية، ثم سرعان ما يصطدم بهم ليزجوا به في السجن.

وعندما ننظر إلى طيب رجب أردوغان نراه سائرا على نفس المنوال؛ فقد تحالف في البداية مع الأب الرّوحي للإسلام السياسي في تركيا، نجم الدين أربكان، ثم سرعان ما انقلب عليه، وتحالف مع الأكراد للتقليص من أثر النزعة القومية الأتاتوركية، ثم أعلن الحرب عليهم، وتحالف مع رجل الدين الشهير فتح الله غولن الذي أفاده كثيرا في دعم سلطته ضدّ المؤسسة العسكرية، لكنه انقلب عليه في آخر الأمر، وأعلنه العدو رقم واحد.

لعل الطابع الغالب عليهم كما هو معروف هو القابلية للتكيّف مع مختلف الظروف التي يفرضها الواقع العيني. حين يكون الواقع «طائفيا»، كما هو الحال في الكثير من مناطق لبنان، يكونون طائفيين.

وحين يكون الواقع «سلفيا» كما هو الحال في الكثير من مناطق السعودية يكونون سلفيين، وذلك بحكم أولوية أحكام الواقع العملي على كل القيم في شرعهم. وحين تقوم «أحكام الواقع» بمنع المرأة من السياقة أو الدراسة أو العمل، فإنهم لا يبادرون إلى المطالبة بالمساواة بين الجنسين بدعوى أن «الإسلام كرّم المرأة» وما إلى ذلك، لكن، متى انتصرت قضية من قضايا المرأة جرّاء تطور الوعي أو سلطة الحاكم، نراهم يتكيفون بسرعة البرق، ولو باللسان، مع مقتضيات الوعي الجديد أو الوضع الجديد؛ فللضرورات أحكام، والضرورات تبيح حتى كل المحظورات.

ولعل القدرة على التكيّف السريع تظل نقطة قوتهم، لكنها أيضا نقطة ضعفهم. القدرة على التكيف تعني القدرة على البقاء.

وليس في ذلك أي عيب سياسي أو أخلاقي، إنما نقطة الضعف المدمرة هي حين يصبح البقاء غاية في ذاته، حين يصبح البقاء لمجرّد البقاء، وقتها يصبح البقاء بلا جدوى، بلا معنى، بلا قيمة، بلا قضية، بلا هدف غير البقاء من أجل البقاء، حتى وإن كان أساس العقيدة يقول، إن البقاء لا يكون إلا لله!

13