التآمر على عروبة الموصل يتصاعد قبل تحريرها

الخميس 2016/09/15

لو كان في العراق قانون ومؤسسات وحق ونزاهة ورجال حكم أصحاء عقلاء، لكان نوري المالكي في السجن منذ منتصف شهر يونيو 2014 بعد ثبوت ضلوعه في مؤامرة بيع الموصل إلى تنظيم داعش والتواطؤ مع الإرهابي أبوبكر البغدادي، الذي تجمعه وإياه قضايا مشتركة لا تنحصر في الإرهاب والتنكيل بالسنة العرب واحتلال مناطقهم ومصادرة حرياتهم، وتهجيرهم من ديارهم وإجبارهم على النزوح إلى مخيمات البؤس فحسب، وإنما تتجاوز ذلك إلى كراهية عروبة العراق وتشويه تاريخه القومي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، واستيراد أفكار متخلّفة وتطبيق مناهج طائفية تتصدى للإسلام المحمدي وتشوّه رسالته السامية، مع حبهما الثنائي لكل أشكال الإجرام والسطو على المال العام.

ولو كان في العراق مجلس نواب بحق، يمثل العراقيين ويعبّر عن إرادتهم بصدق، لفعّل تقرير لجنة التقصي البرلمانية عن كيفية سقوط الموصل وقد توصلت على مدى ستة أشهر إلى كشف ملابسات انسحاب فرقتين عسكريتين وثالثة للشرطة الاتحادية من مدينة أم الربيعين وتركها وحيدة في مواجهة عصابة استولى أفرادها على أسلحة ومعدات لا حصر لها، بينما حظر المالكي وعساكره على أهلها حيازة سكاكين مطابخ بحجم كبير، زيادة في إذلال الموصليين الذين اعترف أحد موظفيه، الفريق مهدي الغراوي، في لقاء تلفزيوني شهير بأنهم يعتزون بهويتهم وأصالة مدينتهم وأكثر من سبعين بالمئة منهم يعارضون الحكومة علنا.

ومن الوقائع السياسية والميدانية التي شهدتها الموصل منذ غزو الأميركان لها في العاشر من أبريل 2003 بعد يوم واحد من احتلال العاصمة بغداد، برزت نزعة الانتقام ضد المدينة العربية وسكانها الأُصليين، ليس فقط من قوات الفرقة الأميركية المحمولة بقيادة الجنرال ديفيد بتراويس وإنما من قبل وحدات البيشمركة الكردية التي اجتاحتها، ثم تتالت الكوارث على المدينة وكانت ذروتها عند تسلم قطبي حزب الدعوة إبراهيم الجعفري ونوري المالكي رئاسة الحكومة بالتتابع، وفي عهد الأخير عانى الموصليون من القمع والقهر ما لا يصدق، عندما سلطت عليهم عناصر وضيعة بصفة ضباط ومسؤولين أتقنوا قتل الآمنين ولاحقوا الأبرياء وسرقوا وتفننوا في الجرائم والانتهاكات.

كما كشفت الأحداث عن تواطؤ المالكي مع أبوبكر البغدادي في نهاية العام 2013 على احتلال قضاء القائم ومحاصرة مدينة حديثة من قبل الدواعش الذين استولوا على 200 عجلة (بيكاب دبل قمارة) كانت سلطات المالكي قد استوردتها عن طريق سوريا، بحسب ما أعلنت الشركة المصنعة لتفنيد اتهامات وجّهت إليها من أوساط حكومية سعت إلى قلب الحقائق. ويبدو أن ما جرى للموصل يومي التاسع والعاشر من يونيو 2014، يؤكد أن القوات الحكومية تلقت أوامر من المالكي ووكيل وزارة الداخلية الأقدم عدنان الأسدي بالانسحاب من المدينة وترك الأسلحة والمدافع والدبابات في مستودعاتها لتصبح غنيمة غير متوقعة لتنظيم داعش الذي اضطر إلى استدعاء الآلاف من عناصره في الرقة السورية لتشغيلها واستخدامها، لضخامة عددها وتنوعها، وقد توصلت لجنة الموصل النيابية إلى أن 7 آلاف عسكري حكومي كانوا في المدينة عندما هاجمها الدواعش بأقل من 300 مقاتل وبأسلحة خفيفة قبل أن يستقدموا أقرانهم من سوريا لتعزيز وجودهم وتكريس احتلالهم.

وفي المفاهيم العسكرية القديمة والحديثة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينجح 300 مسلح بالرشاشات في هزيمة 7 آلاف عسكري من صنوف المشاة والمغاوير والصاعقة والمدرعات والمدفعية والاستخبارات والطيران، الأمر الذي فضح المالكي وكشف تواطؤه مع نظرائه الداعشيين.

واليوم مازالت الموصل محتلة ويجثم مسلحو تنظيم داعش على صدور أهلها الصامدين وهم بحدود مليوني إنسان اضطرتهم الظروف القاسية من آثار سياسات المالكي وتدني أحوالهم المعيشية إلى البقاء في مدينتهم ومكابدة العذاب والاضطهاد، ويبدو أن سيناريوهات تقسيم المحافظة العراقية الأكبر بعد العاصمة بغداد تتصاعد وتتزايد مشاريع فصمها عن بيئتها السنية وعزلها عن العراق العربي، حيث يلوّح أعضاء في الكونغرس الأميركي بضرورة إنشاء محافظة مسيحية في سهل نينوى بحجة حماية الأقليات، رغم أن المسيحيين في المنطقة استنادا إلى تقارير كنسية لا يتجاوزون المئات في عددهم الذي تناقص منذ احتلال العراق بشكل مروع، في حين تطرح الأحزاب الكردية مشروعا لتحويل قضاء سنجار إلى محافظة كردية، مع أن الأكراد في القضاء أقلية سكانية، ولكن تلك الأحزاب العنصرية تحاول إلغاء هويّة الإيزيديين كفئة عراقية لها خصوصيتها الدينية والثقافية المتوارثة منذ قرون، وتسعى إلى تكريدهم رغم وجود المئات من المراجع والمصادر التي تؤكد أنهم عرب، بل إن أحد أمرائهم الشرعيين (أنور معاوية) له مؤلف قيّم يفصح عن تاريخهم ويعيدهم إلى أصولهم الأموية ويربطهم بالخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية الذي من اسمه استمدوا تسميتهم، رغم مزاعم مزوري التاريخ بأنهم “إيزيديون” وليسوا يزيديين.

أما الأحزاب والميليشيات الشيعية فهي تسعى إلى اقتطاع قضاء تلعفر وتحويله إلى محافظة شيعية، مع أن الغالبية الساحقة من سكان القضاء عرب أقحاح ومن قبائل عربية عريقة، مع وجود أقلية تركمانية شيعية تمكّنت بالتزوير والدعم الحكومي من إيصال نائب واحد إلى البرلمان في انتخابات 2014.

إن الموصل مقبلة على مرحلة خطيرة وهي مازالت محتلة، وهناك محاولات أميركية وكردية وشيعية للقضاء على مستقبلها كحاضرة عربية ومركز أكبر محافظة عراقية، والمخططات لتفتيتها متواصلة، والمخاوف من حرب أهلية تتزايد مع اقتراب تحريرها، وسط دعوات عرقية وطائفية لتقزيمها ومصادرة آراء ومواقف أهلها العرب وهم يشكلون أكثر من ثلاثة أرباع سكانها، كما تؤكد الإحصائيات السابقة والجديدة.

كاتب عراقي

8