التأثير المتبادل بين الإعلام والاقتصاد

الأربعاء 2015/04/08

“دور الإعلام في دعم وتنمية الاقتصاد العربي”، تحت هذا العنوان عقد في العاصمة الأردنية عمان مؤتمر متخصص بدعم من جامعة الدول العربية ورعاية رئيس الوزراء الأردني، وبحضور رجال أعمال واقتصاديين وإعلاميين وأكاديميين تناولوا في جلسات النقاش المتعددة الإشكاليات الرابطة بين الإعلام والاقتصاد، في عصر تنامي تأثير الإعلام والمعلوماتية مع تطور تكنولوجيا الاتصالات والتواصل بين البشر عبر شبكات الإنترنت الذي اعتبره البعض أهم ابتكار في مسيرة البشرية منذ ابتكار الكتابة.

وكانت لي مشاركة رسمية، فأعلنت أنني سأقلب عنوان المؤتمر من “دور الإعلام في دعم وتنمية الاقتصاد العربي” وأجعله “دور الاقتصاد العربي في دعم وتنمية الإعلام”.

وتساءلت: هل الاقتصاد يتحكم بالإعلام العربي؟ والجواب بالتأكيد نعم. والأكثر تأثيرا حتما هي الشركات حسب حجم إعلاناتها في وسائل الإعلام، وهو بلا شك مصدر التمويل الرئيس للمؤسسات الإعلامية.

ودون التمويل المستدام لا يمكن للإعلام مواجهة التحديات المتعاظمة كي يكون إعلاما ناجحا، فالإعلام الناجح فقط يمكنه أن يصنع اقتصادا ناجحا، وكلنا يعلم أن الجهات المانحة للإعلان تؤثر حتما على محتوى الأخبار أو البرامج أو المعلومات المقدمة، وبالتالي تؤثر في مصداقية الوسيلة الإعلامية.

من المؤكد أنه لا يوجد إعلام محايد، ولا يمكننا أن نطالب بإعلام محايد وكل ما نتمناه إعلاما موضوعيا نزيها. فالوسيلة الإعلامية تخدم مصالح رب نعمتها أي التبعية السياسية أو الاقتصادية للوسيلة. وعند التساؤل عمن يتحكم بالإعلام العربي الآن؟ نجد الجواب عند البحث في تبعية وسائل الإعلام، وخاصة الأكثر تأثيرا منها وهي الفضائيات التي تجاوز عددها في المنطقة العربية السبعمئة محطة، فسنجد أنها مقسمة حسب “رب نعمتها” أي حسب مصادر تمويلها.

وتأتي في المقدمة طبعا الحكومات التي تمول الإعلام الرسمي، ولا تريد منه غير الولاء. وعندما نغير القنوات على الشاشة سيدهشنا ذلك العدد الكبير من القنوات التابعة لجهات أو مؤسسات دينية صارت تتنافس في إطلاق قنوات فضائية تنشر أفكارها بكل الأساليب، بما في ذلك شتم الآخر وتسفيهه. ثم الأحزاب والجماعات السياسية التي تطلق قنوات تصرح بتبعيتها لها أو قنوات تابعة لها سرا.

ولا تريد من تلك القنوات غير أن تكون منبرا لها، بالحق أو الباطل غير مهم، ونجد في العراق مثلا أن أكثر من نصف القنوات الفضائية تابعة للأحزاب والجماعات السياسية.

ثم نأتي للقنوات “المستقلة” أو “الخاصة” التي أطلقها رجال أعمال من باب الاستثمار أو من باب أن الإعلام قوة يمكن استعمالها للتقرب أو للضغط للحصول على مكاسب. ولا يمكن الكشف عن مصادر تمويلها الفعلية أو كيفية حصولها على التمويل الصريح الواضح من غير الإعلان.

سأتحدث عن تجربتنا في العراق.

نشأت في العراق خلال فترة قصيرة العشرات من الفضائيات، بعضها ظهر للوجود بشكل عشوائي، ومن غير القنوات التابعة لأحزاب أو جماعات سياسية أو دينية، تمويلها مؤمن وهو غالبا غامض، ظهرت قنوات خاصة مستقلة لا أدري مدى استقلاليتها وما هي مصادر تمويلها.

إن الإعلان التجاري في العراق ما زال شحيحا جدا لا يغطي تكاليف أي قناة لعدم قناعة معظم رجال الأعمال العراقيين بجدوى وأهمية الإعلان، وهذه الإعلانات الشحيحة يتم توزيعها على بعض القنوات بطرق ملتوية يشوبها الفساد والمحسوبية والعمولات للوسطاء وغيرهم.

وقد لجأ بعض القنوات إلى استخدام الوسيلة الإعلامية للضغط السياسي والتلميح بنشر الفضائح السياسية أوالمالية أو حتى الشخصية، للابتزاز والحصول على مبالغ كي تكف الوسيلة المعينة عن نشر ما يمكن أن يسيء لذلك السياسي أو الحزب.

وأصبحت قصص وتفاصيل عمليات الابتزاز الإعلامي معروفة على نطاق واسع في العراق ومألوفة جدا وموضوعا للتفكه والنوادر.

لقد انتهى المؤتمر بعد يومين تحدث فيه الكثيرون بالتفصيل عن أهمية الإعلام، ولكنّ السؤالين الأساسيين بقيا بلا جواب شاف، لا عن دور الإعلام في دعم وتنمية الاقتصاد العربي، ولا عن دور الاقتصاد في دعم وتنمية الإعلام العربي كي يتمكن من أن يلعب دوره باعتباره شريكا أساسيا في مسيرة التنمية ودعم الاقتصاد.

18