التأريخ العائلي مدخلا لتاريخ المدن

الأحد 2013/08/18
بيروت في القرن التاسع عشر

العرب - بيروت ـ "أفندي الغلغول" هو أول كتاب من نوعه، يؤرخ لتاريخ المدن العربية من خلال السير الذاتية لنخبها وعائلاتها المشهورة، كما يؤكد مؤلفه، الكاتب اللبناني نادر سراج، مشددا على صعوبة التأريخ لأي مدينة عربية إلا من خلال التأريخ العائلي، موضحا أن هذا الكتاب يعطي صورة عن كيفية تلقّف المجتمع المديني لبوادر الحداثة قبل قرن من الزمن.

ويعرض الكتاب لتاريخ بيروت من خلال الشخصية البيروتية البارزة هاشم أفندي الجمّال وأسرته وسلالته الذي كان نموذجاً لذلك الزمن وذلك النمط من الحياة في تلك الفترة والذي حظي بأهمية خاصة في المجتمع اللبناني.

يصف سراج الشخصية المحورية في الكتاب بأنها "شاهد على تحولات بيروت خلال قرن، من عام 1854 ولغاية 1940"، ويقول "إنه أحد خمسة عشر شخصية اجتمعت في دارة عبد القادر قباني عام 1878 وأسست جمعية المقاصد الخيرية في بيروت، لقد تدرج في السلم الوظيفي العثماني من مجرد موظف في أملاك القلم في بيروت إلى مدير مال في سبع مدن عثمانية آنذاك، وأصبح رئيساً لبلدية صيدا خلال الحرب العالمية الأولى وقائم مقام في سورية".

الكتاب نصوص مؤتلفة في تجربة سردية متكاملة سعت قدر الإمكان للانفلات من الموروث التقليدي الحكائي، وينطلق في أسلوبه وفي مقاربته المادة التاريخية والاجتماعية من مواصفات السيرة والذاتية لا بل المدينية الجماعية ليلامس فن السرد الروائي.

وفي هذا السياق، أوضح سراج "لقد أنجبت هذه الشخصية عائلة تعلمت دراسات عليا في مدن السلطنة، منها الطبيب والمهندس والقاضي والدبلوماسي، وتنبع أهميته من أنه استطاع من خلال سيرته الذاتية وسيرة أسرته وأبنائه وأحفادة أن يعطي صورة عن كيفية تلقّف المجتمع المديني بوادر الحداثة، الحداثة العثمانية التي تفتحت فيما بعد على حداثة انتدابية فرنسية، لقد سلّط الضوء على كيفية إدخال أهالي المدن العربية هذه الحداثة في أنماط أزيائهم ومآكلهم واهتمامهم بعالم الوقت والمركبات وتبدل أحوالهم والزيجات المختلطة وسفر الأبناء إلى مدن السلطنة وذهاب الأبناء لإغاثة مدن عربية أخرى كما حدث مع ابنه الطبيب بشير الذي ذهب إلى ليبيا وكان سبباً في علاقة هذا الأفندي مع الحكومة الإيطالية".

الكتاب الذي جاء بمجلد موسوعي وضم صوراً فوتوغرافية قديمة ونادرة، يضم ثلاثة فصول، الأول ضم عناوين (السيرة بالكلمات، بيروت العثمانية، سيرة الأمكنة والعائلات والحل والترحال، هاشم علي الجمال، العين البيروتي نموذجاً)، والفصل الثاني ضم عناوين مثل (أخبار الأبناء والأنسباء ووقائع أيامهم، وثائقنا تحكي أحوالنا، "الدوقتور" بشير الجمال، محي الدين الجمال ضابطاً عثمانياً فقاضياً فرعياً فمحامياً لامعاً، هاشم في أيامه الأخيرة ضيفاً على ابنه في النبك، وغيرها)، أم الفصل الثالث فيضم عناوين مثل (الأبناء والأنسباء في زمانهم، التصوير والمكاتبات والتحارير، دخول عنصر الزمن وشيوع ثقافة القراءة، وغيرها).

لا يقتصر الكتاب على جمع الجزئيات المتناثرة لتشكيل لوحة الحياة العائدة لوجيه منطقة "الغلغول" البيروتية الذي عاش تحولات مدينته قبل قرن، ولا يحمل فقط بصمات الفرد الذي تنعقد حــوله الأحــداث بل يُبحر في الوقائع والأحــداث ويستحضــر إحصاءات ويروي حكايات الأيام الغابرة بحلوهـــا ومرها ويكشـــف عن المسكوت عنه، ضمن نص سردي مؤتلف البنى التركيبية.

وعن بعض التفاصيل يقول سراج "لقد تخرّج ابنه بشير من الأستانة جراحاً، وطلب منه سليمان باشا الباروني، وهو مناضل ليبي مشهور، أن يأتي إلى ليبيا لمساعــدة الليبيين ضد الإيطاليين، فترك كل أشغاله ولبى النداء، وهناك أسره الليبيون قبل أن يعرفوا هويته، ثم أفرجوا عنه وكرّمــــــوه بعد أن عرفوا حقيقته، وعندما تعرف الإيطاليون إلى والده، قدروا فيه الحس المدني والعمل في الشأن العام، وكرّموه أيضاً بدورهم ومنحوه الجنسية الإيطالية 1927"، وتابع "لقد استطاع هذا الشخص أن يُدخل ليس فقط الثقافـــة العثمانية إلى أسرته وإنما أيضاً الثقافة الأوربية، وكان يتقن الفرنسية إلى جانب اللغة التركية، وأتقن أبنائه أيضاً اللغات الإيطالية واليونانية، وكان أحد النماذج للنخب المدينية التي استطاعت أن ترتقي في السلم الاجتماعي".

ومن المعروف أن حملة الألقاب شديدو الحفاظ عليها لأنها عندهم عنوان مجدهم ورفعتهم، شأن الحاج هاشم وشقيقيه وأبناءه، ولقب "أفندي" هو في الأساس كلمة يونانية الأصل معناها "المولى والسيد" أخذها العثمانيون عن اليونان ووصلت إلى الدول العربية عبرهم، واستعملها العثمانيون كلقب لبعض كبار الموظفين والشخصيات الهامة، وأصبح لقبا فخرياً في الدول التي حكمها العثمانيون.

وختم المؤلف سراج بالتأكيد على نقطة هامة وقال "لقد دخلنا إلى تاريخ بيروت من المعبر العائلي، لم ولن نستطيع التأريخ للمدن إلا من خلال عائلاتها وأبنائها، وأعتقد أن هذا النموذج يصلح لكل البيئات العربية المشرقية بحد ذاتها".

12