التأسيس الثاني للعلاقات بين واشنطن والقاهرة

التأسيس الثاني للعلاقات مرشح لأن يخرج عن الوصاية الأميركية على مصر التي طغت على التأسيس الأول، لأن أوراق اللعب في القضية الفلسطينية لم تعد بحوزة واشنطن فقط.
الاثنين 2018/09/10
علاقات أخذت تتخلى عن التذبذب

المراوحة التي شهدتها العلاقات المصرية الأميركية منذ دخول إدارة الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض، بدأت تميل ناحية الدفء السياسي وإعادة الاعتبار لجملة من الثوابت الاستراتيجية التي تحكمت فيها منذ حوالي 45 عاما.

الخطوط العامة التي كشفها لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة مع جوزيف فوتيل قائد القيادة المركزية الأميركية، مع بدء مناورات النجم الساطع، السبت، تؤكد أن الأمور تسير بصورة جيدة، والعلاقات بمستوياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية أخذت تتخلى عن التذبذب الذي ساد طوال الأشهر الماضية، وتتموضع في مربع مستقر ستظهر تجلياته قريبا.

تقديرات مختلفة تقول إن هناك تفاهما على حزمة كبيرة من القضايا تصب في إطار المصالح المشتركة، وكل جهة باتت على يقين من أهمية توفير دفعة قوية تعيد ترتيب الأوراق بشكل ينزع الأجزاء القاتمة ويرسم معالم تأسيس ثانٍ للعلاقات بين البلدين.

كان التأسيس الأول (الحقيقي) بدأ مع بدايات عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ونهايات حرب أكتوبر 1973، وأدى إلى تعاون لافت في مفاوضات فض الاشتباك مع إسرائيل، وما تلاها من تطورات أدت إلى توقيع اتفاقية سلام في كامب ديفيد في مارس 1979 بين القاهرة وتل أبيب.

النقلة النوعية الأولى التي شهدتها العلاقات بين البلدين، كانت مرتبطة بتحولات كبيرة في المنطقة تتعلق بالبدء في مرحلة التسوية السياسية مع إسرائيل، وقتها أمسكت مصر بزمام المبادرة وحسمت أمرها في الدوران مع الفلك الأميركي ونبذت الفلك السوفييتي.

ثمة تحركات قريبة من هذه المسألة يجري الإعداد لها حاليا، ربما تؤثر على علاقات القاهرة مع بعض الأطراف، فقد وجدت واشنطن والقاهرة حاجة مهمة للاقتراب والتعاون مع الآخر، وهو مشروع التسوية الذي يتبناه الرئيس ترامب، والمعروف بـ”صفقة القرن”. فالأولى تريد تمريره بما يحسب للإدارة الأميركية، والثانية تسعى لوضعه على طريق صحيح وأقل خسائر فلسطينية ومصرية ممكنة.

بعيدا عن الملابسات التي تحيط بالصفقة وتسريباتها، فهي تفرض التنسيق بين الجانبين، لذلك جرى تجاوز التوترات التي كانت دوائر كثيرة تتوقع أن تفضي إلى قطيعة، مع امتلاك القاهرة علاقات بقوى عديدة في الغرب والشرق، مكنتها من تجاوز تحديات متعاظمة واجهتها عقب ثورة 30 يونيو 2013.

الرهانات التي عوّل عليها الرئيس السيسي بعد وصول ترامب للبيت الأبيض لم تَصْدُق، واعترتها مطبات جراء الحسابات المتضاربة التي بدت في توجهات إدارة ترامب، والتي انعكست على الكثير من تصرفات البيت الأبيض، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

المعادلة الجديدة قد تكبد مصر خسائر مع قوى كانت تظن أنها قريبة منها، أو يمكن أن تكون كذلك، ورأت من الضروري أن تتلقى من واشنطن ثمنا مغريا لهذا التحول، لأن الولايات المتحدة تريد بجوارها حلفاء أوفياء

التأسيس الثاني سوف يصطحب معه تحولا في الجهات التي تدير ملف العلاقات بين البلدين، والمرجح أن يشهد الطاقم المصري تغييرا لافتا من الناحيتين السياسية والأمنية، ما يخدم طبيعة المرحلة الجديدة ومتطلباتها الحيوية لكل طرف، وفض معالم الاشتباك التي كانت تظهر من وقت لآخر.

القاهرة التي ظلت مترددة في الانحياز نحو روسيا على حساب الولايات المتحدة، أصبحت على يقين من صعوبة التوازن بين القوتين بصيغته التقليدية، لأن الحفاظ على علاقات جيدة مع كل منهما عملية متاحة نظريا لكن هناك محكات تستوجب الاختيار.

المشكلة التي كانت تعكر صفو العلاقات بين القاهرة وموسكو، هي تردد الأولى وصبرها كثيرا على الراعي الأميركي ما جعل الثانية (موسكو) تتريث كثيرا لكسب مصر كحليف استراتيجي.

السيولة الظاهرة في قضايا عديدة أثّرت على قاعدة “من ليس معنا فهو ضدنا” التي درج بعض الساسة على ترديدها السنوات الماضية، وأصبحت هناك دول تختلف وتتفق حسب طبيعة القضية.

التشابك في الأزمات الإقليمية، جعل روسيا مثلا تتباعد وتتواءم مع الولايات المتحدة في الأزمة السورية، وهكذا حال دول أخرى، ولم تعد هناك ثوابت جامدة، بل توجد مرونة دائمة تخيم على ممارسات دول كثيرة.

مصر طبّقت هذه المسألة في صفقات سلاح واتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع دول متباينة، وكشفت التوجهات التي تبنتها عن رغبة في استمرارها لفترة من الوقت، فترة تكون استردت فيها عافيتها.

 وعكس هذا المنهج مواقفها من أزمات داخلية في بعض الدول العربية، وتعمدت عدم إظهار انحياز سافر لطرف معين، خشية صعود أطراف مناهضة، أو حدوث خلل مفاجئ في المعادلات.

التطورات المتسارعة في عدد من الأزمات، سوف تفضي إلى فرز جديد، لن تصلح معه سياسة “الجري وسط الألغام”، ولا بد أن تكون مواقف الأطراف جلية ولا تحتمل ترددا.

النجاح النسبي الذي حققته مصر في سياستها الخارجية، كان بعيدا عن فكرة الدور والتأثير، وقريبا من فكرة تصفير الأزمات، لأن القاهرة مضى عليها دهر لم تملك رفاهية الدخول في خلافات مستعصية أو مناوشات جانبية من هنا أو هناك.

منهج الابتعاد عن تكبد خسائر وحصر الاحتكاك مع الجهات التي هددت الأمن القومي، ساعدا على تجنب الكثير من المضايقات، كما أن الحرص على الالتحاف بغطاء شرعي وقانوني، مكن من عدم الصدام مع قوى كبرى وجعل القاهرة مهيأة للقيام بدور العرّاب في قضايا كثيرة.

الولايات المتحدة على يقين من أن خططها في الفترة المقبلة، سوف تكون بحاجة إلى دور مصري مساند، فالمواجهة مع إيران مفتوحة، والخصومة مع تركيا يمكن أن تمتد، إلى جانب الاستعداد لتدشين تسويات لقضايا عديدة في المنطقة، وكلها تجعل من الصداقة بين واشنطن والقاهرة مُقدمة على الخلاف.

المعادلة الجديدة قد تكبد مصر خسائر مع قوى كانت تظن أنها قريبة منها، أو يمكن أن تكون كذلك، ورأت من الضروري أن تتلقى من واشنطن ثمنا مغريا لهذا التحول، لأن الولايات المتحدة تريد بجوارها حلفاء أوفياء.

رفع الحظر عن جزء من المساعدات الأميركية المجمدة مؤخرا كان عربونا سياسيا، ودلالته الرمزية تتجاوز قيمته المادية، لأنه يوقف زحف حملات التحريض الأميركية التي بدت منظمة ضد مصر، ويشي بإمكانية تهدئة الضجيج في ملفات مثلت صداعا لها، على غرار الحريات وترديد اتهامات تخص انتهاكات لحقوق الإنسان وتزايد أعداد المعتقلين وأحكام الإعدام.

 الأهم أن تكون لذلك مردودات إيجابية للانخراط في المزيد من التعاون على مكافحة الإرهاب، وفتح الطريق أمام اتخاذ موقف حاسم من جماعة الإخوان، والخروج عن المصفوفة التي تريدها واشنطن بالتفرقة بين متشددين ومعتدلين إسلاميين، فضلا عن عدم الاقتراب من مسألة المصالحة مع المعارضة، وبينها الإخوان، وتركها للوقت الذي تراه مصر مناسبا.

التأسيس الثاني للعلاقات مرشح لأن يخرج عن إطار الوصاية الأميركية على مصر التي طغت على التأسيس الأول، لأن أوراق اللعب في القضية الفلسطينية لم تعد بحوزة واشنطن فقط.

الواضح أن الأوراق المؤثرة في قضايا أخرى مركزية مبعثرة بين الولايات المتحدة وغيرها من القوى، بينها قوى صغرى تستطيع التأثير سلبا في مسارها، وهو ملمـح مهم يجعل القاهرة غير مضطرة إلى الانصياع لواشنطن عند وضع الصيغة النهائية للتأسيس الثاني في الفترة المقبلة.

9