التأمل في واقع دموي

الأحد 2016/03/06

ماذا يكتب الروائي في لحظة الدم؟ السؤال الذي يسبق هذا العنوان: هل ينتظر الروائي في الكتابة إلى أن يجري الدم ويختفي؟ تاريخنا العربي دموي، وسيظل هكذا ما دام قول أبي تمام “السيف أصدق إنباء من الكتب”، دستورًا في حياتنا ومصدر وحي وانتصار على عمورية. ولو انتظرنا إلى ما بعد الدم لما كتبنا رواية ولا وصفنا حالة.

والمأساة في حياتنا، نحن الكتّاب العرب، أننا لسنا مرفهين بحيث نكتب عن الحدث في زمن ما بعد الحدث ولا نملك الوقت والخيال لإعادة إنتاج واقع دموي متخيّل خارج دائرة العنف والموت الواقعيين، والواقعيين جدًا جدًا. أتمنى لو أنني أستطيع الكتابة روائيًا في خلق ووصف حالة عربية إنسانية تخلو من كل الإشارات والرموز التي تدل على عنوان عربي.

أن أكتب عن دكتاتور بلا هوية محددة إلا صفة القمع والقتل ولا يحضر في مخيلتي أثناء الكتابة دكتاتور عربي لا يزال على عرشه أو استبدل بآخر في السنوات الخمس اللعينة الأخيرة أو قبلها وأخشى مما بعدها. في هذه الحالة تشدني الكتابة نحو اختزال عناصر الدكتاتور في الرواية بشخص محدد فتفقد الكتابة بعدها الإنساني المطلق والكوني.
هذه الحالة من اغتصاب الواقع للكتابة تقود إلى الكـتابة الروائية التـسجيلية أو التوثيقية التي تكتسب شرعيتها الفنية من لغتها وصياغتها وعمق النظر إلى المـشهد الدامي.

أنا أميل إلى هذا النوع ليس فقط في ما أكتب بل أيضًا في ما أقرأ. في زمن الدم يحق للروائي أيضًا ألا يكتب. هو بحاجة إلى التأمل في الواقع الدموي، إلى معايشته بمشاعره وأحاسيسه وإلى وقت وجهد للبحث عن الزاوية التي يريد أن ينظر منها إلى واقعه.

يحق له أيضًا أن يتأنّى في الكتابة لكي يحضر في ذهنه ووجدانه ايقاع الكتابة. فالزمن الدموي له إيقاع يختلف عن أيّ زمن آخر. هو صاخب وصارخ وهمجي وفوضوي والكتابة فن السلاسة وتتابع الصور والمشاهد بمنطق وانتظام وضرورة.
في زمن الدم يحق للروائي أن يعفي نفسه من الكتابة الروائية لكي يتجند بجسده وروحه في المعركة لوقف الزمن الدموي. عليه ألا يفعل ذلك اضطراريًا بل اختياريا بإرادته وقراره. لا أن يساق إلى المعركة، بل يندفع إليها، وبهذا يغني تجربته ويشحن مشاعره ويرهف أحاسيسه وعندما تحين لحظة الكتابة يندفع إليها أو تدفعه هي كشلال أو كنبع منفجر.

الكتابة في زمن الدم أولًا لوقف شلال الدم، ثم تأتي عناصر الرواية.

* المنشور هنا هو آخر ما كتبه الراحل وخص به مجلة "الجديد"، ويدور حول "ماذا يكتب الروائي في اللحظة الراهنة، لحظة الدم". والنص ينشر بالاتفاق مع المجلة.

كاتب من فلسطين

11