التأويل القانوني في تونس يدخل دوامة التجاذبات السياسية

هشام المشيشي يبحث عن فتاوى قانونية لحل أزمته مع الرئيس قيس سعيد.
الأحد 2021/02/28
مأزق صعب

يبحث رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي عن فتوى قانونية تنقذه من مأزق اليمين الدستورية بعد تمسك الرئيس قيس سعيد برفضه التعديلات الوزارية التي أدخلها مؤخرا على فريقه. وفيما طرق المشيشي أبواب المحكمة الإدارية وهيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين لحل أزمته مع الرئاسة، إلا أن غياب المحكمة الدستورية، المعطلة منذ سنوات، يصعب الحسم في هذه الخلافات.

تونس – دفع الانسداد السياسي، الذي دخلت فيه تونس مؤخرا على خلفية التعديل الوزاري المثير للجدل، رئيس الحكومة هشام المشيشي لطرق كل الأبواب من أجل كسب المعركة ضد الرئيس قيس سعيد في ظل غياب المحكمة الدستورية التي تعد الهيئة المخولة دستوريا للنظر في مثل هذه النزاعات.

وطرحت تحركات المشيشي التي كانت على أكثر من صعيد، حيث ذهب بداية لاستشارة المحكمة الإدارية قبل أن يتوجه إلى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وهي هيئات أكدت عدم تخصصها للبت في نزاع رئيس الحكومة والرئيس سعيد، تساؤلات عن تأويل الدستور والتوظيف السياسي لذلك في خضم غياب المحكمة الدستورية.

وتعيش تونس منذ فترة على وقع أزمة سياسية ودستورية باتت تنذر بالانزلاق في أزمات أخرى بالرغم من بوادر حل بدأت تلوح بالتوازي مع تحركات لسفراء أجانب في البلاد، لكن ذلك لم يبدد مخاوف الائتلاف الحكومي الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية ورئيس الحكومة الذي بقي يبحث عن “فتوى قانونية” تمكنه من تجاوز امتحان التعديل الوزاري بنجاح.

وإذا كانت حركة النهضة وحلفاؤها اختاروا التصعيد من خلال إعادة ملف المحكمة الدستورية إلى الواجهة من أجل إنهاء احتكار الرئيس قيس سعيد لتأويل الدستور، فإن متاعب المشيشي لا تكاد تنتهي في ظل تعطل حكومته على وقع تعثر التعديل الوزاري.

منى كريم الدريدي: المحكمة الدستورية ضرورة قصوى، وهناك تأخير كبير في إرسائها
منى كريم الدريدي: المحكمة الدستورية ضرورة قصوى، وهناك تأخير كبير في إرسائها

وعجل التعديل الوزاري الأخير بصدام على مستوى الرئاسات الثلاث في تونس (رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، رئاسة البرلمان) ما جعل كل طرف يخطو نحو محاولة تسجيل أهداف في مرمى خصمه ولاسيما الرئيس قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي.

واللافت أنه ورغم أن الدستور ولا القوانين والمراسيم الداخلية تمنح هيئات قضائية على غرار المحكمة الإدارية صلاحية البت في مثل هذه النزاعات إلا أن رئيس الحكومة لجأ إليها في محاولة لحسم خلافه مع الرئيس سعيد.

ولم يتوقف المشيشي عند ذلك الحد بل اتجه كذلك إلى هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين وهي هيئات كلها أكدت عدم اختصاصها للنظر في أزمة اليمين الدستورية وهو ما خلق جدلا قانونيا حول خطوات رئيس الحكومة. ويرفض الرئيس سعيد أداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه، مبررا ذلك بعدم احترام التعديل الدستوري لأحكام الدستور وتعلق شبهات فساد أو تضارب مصالح ببعض الوزراء وفق قوله.

ويُرجع متابعون وخبراء السجالات التي رافقت أزمة اليمين الدستورية وعدم نجاح أيّ طرف من أطراف الأزمة في حسم الخلاف لصالحه إلى غياب المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات.

ويقول الناشط السياسي، وسام السعيدي، إن” رئيس الحكومة أراد في الظاهر تحصيل استشارة قانونية، لكن في جوهرها هي استناد قانوني لموقف سياسي”.

وأضاف السعيدي في تصريح لـ”العرب” أن “غياب المحكمة الدستورية هو وراء هذه الظواهر، فهي الوحيدة المخصصة للنظر في مثل هذه النزاعات، وبالتالي بقاء البلاد دون محكمة دستورية في ظل سلطة تنفيذية قائمة على التفريق بين السلط وتوزيعها من شأنه أن يضعنا في كل أزمة سياسية أمام إشكالات تطبيقية وإشكالات عملية في سياق توزيع الصلاحيات”.

وبالنسبة إلى السعيدي فإن تداعيات إقحام مثل هذه الهيئات في أزمة اليمين الدستورية، التي لم تمنح الحكومة إسنادا قانونيا لموقفها السياسي، كانت واضحة في إضعاف الحكومة سياسيا التي باتت “تواجه دعوات للرحيل”.

وشرح بالقول “غياب السند القانوني للموقف السياسي يؤدي إلى إضعاف الحكومة سياسيا ما جعل اليوم الحديث يتضاعف عن ضرورة رحيل الحكومة وجميع أعضائها وليس فقط الوزراء الذين تحوم حولهم شبهات فساد”.

وتُساير أستاذة القانون الدستوري، منى كريم الدريدي، السعيدي في رأيه لاسيما المتعلق بأهمية المحكمة الدستورية في فض مثل هذه الخلافات، حيث تشدد على أن “المحكمة الدستورية اليوم تشكل ضرورة قصوى، هناك تأخير كبير حصل في إرسائها”.

وتؤكد الدريدي في تصريح لـ”العرب”، “كما تعرفون الدستور نص على ضرورة تركيز هذه المحكمة في ظرف سنة من الانتخابات التشريعية (البرلمانية) ولم يتم احترام لهذه الآجال، وتعرضنا للعديد من الأزمات التي تعمقت بغياب المحكمة الدستورية”.

ودفعت الأزمة السياسية التي تعرفها تونس، والتي تعد من أسوأ الأزمات التي تشهدها البلاد، العديد من الأطراف السياسية، على غرار حركة النهضة الإسلامية، إلى النفخ في رماد المحكمة الدستورية.

وتقترح الحركة الإسلامية أن يتم تقليص النصاب المطلوب من أجل تزكية أعضاء المحكمة (الذين يصوت عليهم البرلمان وعددهم 4 من أصل 12) إلى 109 صوت عوضا عن 145 صوتا.

ويحذر مراقبون من مثل هذه الخطوات التي قد تفرز محكمة على مقاس بعض الأطراف السياسية.

ويرى السعيدي أن “محاولة إرساء محكمة دستورية في هذا المناخ وانطلاقا من هذه التحركات ستكون بمثابة المرور بقوة، لا الوضع السياسي ولا موازين القوى في البرلمان تسمح بأن تكون المرحلة مرحلة إرساء محكمة دستورية، لا يمكن تركيز المحكمة الدستورية ونحن في انسداد سياسي كلي”.

ويستنتج أن “حركة النهضة وحلفاءها وجدوا أنفسهم في حالة انسداد بسبب تشبث رئيس الجمهورية بموقفه لذلك يبقى الحل الوحيد في نظرهم هو المحكمة الدستورية، لكن هذا مستحيل، لأن التخفيض في النصاب المطلوب لانتخاب أعضاء المحكمة سيصطدم بحاجز موازين القوى داخل البرلمان التي لن تسمح بهكذا حل، ولن ينجحوا في ذلك”.

وبعد استنفاد جميع الأوراق القانونية والسياسية الممكنة في الصراع مع الرئيس قيس سعيد، لجأ الحزام السياسي والبرلماني الداعم لحكومة هشام المشيشي إلى الشارع كخيار آخر للضغط على الرئيس وخصومهم كذلك.

وخرج أنصار حركة النهضة الإسلامية السبت في تظاهرات بالعاصمة تلبية لدعوة الحزب الذي قال إن هذه المسيرة داعمة للشرعية وفق تعبيره.

وواجهت دعوات النهضة للتظاهر في الشارع انتقادات لاذعة من قبل أوساط سياسية وخبراء رأوا أن الشارع، رغم أنه ليس حكرا على المعارضة، غير أنه للاحتجاج في التجارب الديمقراطية لا لدعم الحكومة وغيرها وهو رأي تبنته قيادات من الحركة الإسلامية نفسها.

وأكدت قيادات بارزة على غرار سمير ديلو أنها لن تشارك في المسيرة منتقدة خيار الحركة بالنزول إلى الشارع بدل بذل مزيد من الجهود من أجل الذهاب في حوار ينهي الأزمة السياسية والدستورية التي تعرفها تونس.

حمادي بن جاب الله: خروج الإسلام السياسي إلى الشارع هو إعلان حرب على الديمقراطية
حمادي بن جاب الله: خروج الإسلام السياسي إلى الشارع هو إعلان حرب على الديمقراطية

ويقول حمادي بن جاب الله، أستاذ الفلسفة الحديثة وفلسفة العلوم، “لا ريب في أن تظاهر حزب حاكم بدعة لا سابقة لها في حوليات السياسة فكرا وممارسة وهو يشير في السياق التونسي إلى أن الإسلام السياسي بجميع كتائبه الظاهر منها والخفي في أزمة حقيقية أفقدته الصواب حتى أصبح يشعر بقرب الرحيل، فالأحزاب الحاكمة تدافع عن نفسها وتدعم شعبيتها بالإنجازات والوقوف للمسؤوليات لا بالنزول إلى الشارع. وفي المقابل كان من الطبيعي أن تتظاهر أحزاب المعارضة مثل الحزب الحر الدستوري أو منظمات المجتمع المدني مثل الاتحاد العام التونسي للشغل لتسمع صوتها وتخاطب الشعب مباشرة”.

ويضيف بن جاب الله في تصريح لـ “العرب” أن “خروج الإسلام السياسي (في إشارة للنهضة) إلى الشارع بعد عشر سنوات من الحكم الفعلي في السر والعلن إنما هو إعلان حرب على الديمقراطية”.

وسرّعت حالة الانسداد التي تعرفها البلاد وتيرة التحركات من أجل الذهاب في حوار وطني يُنهي الأزمة ويتم خلاله الاتفاق على خارطة طريق تستهدف تغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، علاوة على استكمال تركيز المؤسسات الدستورية على غرار المحكمة الدستورية.

ولا يؤيد بن جاب الله هذه التحركات حيث يشدد على أن هذه الأزمة تُظهر احتضار الإسلام السياسي في بلاده قائلا “تم حكمنا بانتخابات مشبوهة معتّمة والواجب طرد الإسلام السياسي بانتخابات واضحة”.

واستطرد بالقول “من الضروري اليوم الضغط اجتماعيا لمقاومة تواصل العبث بمصالح الشعب ومقدرات الوطن وخاصة العبث بمدرسة الجمهورية، إضافة إلى تحويل الكتلة الاجتماعية الصامتة خاصة في صفوف الشباب والنساء وفي الوسط الريفي إلى كتلة انتخابية واعية بواجبات المرحلة، استعدادا لانتخابات 2024 في أقصى تقدير آو بعد أشهر كما هو محتمل بحكم تردي الأوضاع ترديا لم تشهده تونس لا في تاريخها القديم ولا في تاريخها الحديث”.

2