التاريخ المزيف.. هوميروس ليس حقيقيا وتشرشل سارق أشعار

السبت 2017/12/16
التاريخ حافل بالحكايات، منها ما هو مُثبت وحقيقي

نيويورك - من مفارقات الزمان أن يظل الوهم سائغا، وتبقى الأسطورة مطلوبة ولذيذة دائما، في حين تظل الحقيقة قاسية ومنبوذة، وتبقى الموضوعية كائنا باردا لا يطيقه الناس في أغلب الأحيان. وكأننا أمام تأكيد لمقولة الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه “وهم ينعش خير من حقيقة تقتل”.

هكذا حفل تاريخ البشر بحكايات مغلّفة بكساء من الوهم وأقاصيص أقرب إلى الأساطير التي غابت بين طياتها شمس الحقيقة، وكاد يتبدد في دواماتها اللذيذة حتى لا ننسى، منطق الصدق وحكم الموضوعية إلى حد بعيد.

وقد حاول العديد من المفكرين والباحثين والمثقفين كشف الستار عما شاب السرد التاريخي عبر العصور من المغالطات والوهم، وتبيين الحقائق بعيدا عن التلفيقات أو الأكاذيب. وفي هذا الإطار، يأتي كتاب الباحث الأميركي ريتشارد شنكمان بعنوان «الأساطير والأكاذيب.. والخرافات الجذابة في تاريخ العالم”.

يبدو أن الشغف بعلم التاريخ قد استأثر باهتمام مؤلف كتابنا منذ دراسته الأكاديمية في جامعة هارفارد المرموقة بالولايات المتحدة، ومن هنا فهو لا يتردد في اعتماد منهج الشك العلمي في التعامل مع أحداث التاريخ، بكل ما حفل به دفتر تاريخ البشر من أحداث وتحولات وسرديات، وأيضا من أوهام وشائعات وأساطير.

ومن هنا أيضا، فهو يصدر منذ مفتتح هذا الكتاب عن رأي أو موقف يقول فيه “إن كثيرا من تحولات التاريخ لم تحدث على النحو الذي عرضوه علينا، فكم كان المؤرخون على مر الأزمان يراوحون في رواياتهم بين الحقائق والأوهام”.

ثم يعمد مؤلفنا إلى تقسيم الكتاب إلى 12 بابا، تبدأ بداهة بالزمن الإغريقي والروماني والسكندري القديم، وصولا إلى زمن الحرب العالمية الثانية وما أعقبها، وخاصة ما روجت له سينما هوليوود مع انتصاف القرن الماضي، حين عمدت بأفلامها وحكاياتها الملونة إلى عبور الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم.

وبين الفصلين الأول والثاني عشر، يصحبنا مؤلف الكتاب عبر مراحل العصور الوسطى والثورة الفرنسية (القرن 18) وصولا إلى شخصيات وزعامات العصر الحديث، مثل «تشرشل» الإنكليزي وهتلر الألماني وهيروهيتو الياباني.

ويتناول الباحث مثلا قضية هوميروس، إذ يقول “ينسبون ملحمة الإلياذة إلى شاعر الإغريق القديم هوميروس، وقد أدار أشعار الملحمة عن حرب طروادة، والحاصل أن رواة هذه الأشعار ومؤرخي هذه الحرب عاشوا وقدموا نتاج قرائحهم بعد 800 سنة من التاريخ الذي قيل إن حرب طروادة وقعت في سياقه، ثم إن هوميروس نفسه، لم يعرف أي امرئ شيئا عن شخصيته ولا محل إقامته ولا حتى وجوده من الأساس”.

كذلك يخوض شنكمان في قضية الشاعر الشهير شكسبير الذي نسب إلى قيصر إمبراطور الرومان الأشهر عبارة تفّوه بها قيصر لحظة اغتياله، والعبارة هي “حتى أنت يا بروتس؟”.

لكن التحقيق الأكاديمي التاريخي أثبت أن العبارة الصحيحة هي: حتى أنت يا بروتس.. يا ابني (بالأدق يا طفلي)، إذ كان قيصر يتصور أن بروتس ابن من صلبه.

كما يتناول المؤلف شخصية ريتشارد قلب الأسد، المحارب الشهير خلال المد الصليبي في العصور الوسطى، الذي لا يزال بطلا في أعين الإنكليز، لكن تاريخه ليس ناصعا في كل الأحوال. وفي هذا السياق، يعلق مؤلف الكتاب قائلا «لم أفهم قط لماذا يحبه الإنكليز، لقد أمضى معظم سنوات عمره خارج بلادهم، لم يتعلم اللغة الإنكليزية من قريب أو بعيد، وهو الذي خضّب الأراضي بالدماء لكي يمول الحروب الصليبية التي خاض غمارها”.

كما يتطرق إلى شخصية أخرى هي ضابط الاستخبارات البريطاني الذي نسبوا إليه في التاريخ الحديث لقب «لورنس العرب» صنعوا له هالات من الشجاعة والبطولة. أما الحقيقة، كما يقول شنكمان، إن لورنس المذكور أعلاه خدع العرب وأضر بمصالحهم.

وفي ألمانيا كذلك، رسخ في الأذهان أن حزب هتلر النازي أحرق مبنى البرلمان الألماني “الرايخشتاج”. والحقيقة، كما يكشف المؤلف، أن الذي أحرق البرلمان، كما كشفه المؤرخ الإنكليزي الأشهر ج. تايلور، مواطن هولندي كان معارضا للحزب النازي نفسه، واسمه فان دير لوبي، وقد حوكم الرجل وجرى إعدامه.

وحين يعرض الكتاب للشعارات الشهيرة المنسوبة، كما يرى المؤلف، إلى السياسي البريطاني ونستون تشرشل، فهو يتعامل مع هذه المقولات بقدر من برودة البحث العلمي كما يصفها “تشرشل صار مشهورا بشعاره العتيد مخاطبا مواطنيه الإنكليز قائلا عند دخول الحرب العالمية الثانية: لا أعدكم إلا بالدم والعرق والدموع”.

ولكن شنكمان يذكر أن هذا لم يكن من ابتكارات تشرشل، بل لقد اقتبسه، أو بالأدق سرقه، من أشعار لورد بايرون، وبايرون نفسه مارس السرقة الشعرية نفسها من سلفه الشاعر جون دون.

ولا يزال التاريخ حافلا بالحكايات، منها ما هو مُثبت وحقيقي، ومنها ما لا يزال في حكم الأسطورة السائغة أو الوهم الشائع، لكنه وهم سائغ ولذيذ.

14