التاريخ بين الحتمية والاحتمال في رف الكتب

الأحد 2016/11/13
الاستعمال ضد الوقائعي

ماذا كان يحدث لو جرى التاريخ أو الحياة مجرى آخر؟ ما نسميه التفكير ضد الوقائعي يتخلل النقاش بعفوية ويغذي فرضيات عن إمكانات ماض لم تتحقق أو وقائع مستقبل لم تقع. نجد ذلك في الأدب مثلما نجده في التأملات السياسية.

في كتاب طريف يجمع بين المعرفة والخيال المستند إلى معطيات تاريخية ثابتة عنوانه “لأجل تاريخ الممكنات” يحلل كنتان دوليرموز الأستاذ المحاضر بجامع باريس 13، المتخصّص في التاريخ الاجتماعي والثقافي للقرن التاسع عشر، وبيير سنغارافيلو أستاذ التاريخ المعاصر بالسربون المتخصص في تاريخ الاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين، الاستعمال ضد الوقائعي، سواء في الأعمال الأدبية أو في الفرضيات الجدلية، للإحاطة بظروف استعمالها استعمالا ملائما في العلوم الاجتماعية، والوقوف على رهانات السببية والحقيقة، والعلاقات بين التاريخ والأدب التخييلي، بين الحتمية والاحتمال.

◄ "سلفنة" الأذهان

في كتاب “فسيفساء الإسلام” يبين اللبناني سليمان مراد أستاذ تاريخ الإسلام وحضارته بماساشوست لمحاوره الأميركي بيري أندرسن أستاذ التاريخ وعلم الاجتماع بكاليفورنيا أن الإسلام ليس واحدا بل متعدد، إذ انقسم منذ ظهوره إلى مذاهب ونحل، مع ما يتبع ذلك من تباين الشعائر، وكيف أن المسلمين بعد صدمة الاستعمار زهدوا في عمومهم في اعتبار الدين حلاّ لمشاكلهم التنموية والاقتصادية، فأصبح تدينهم معتدلا يمارسونه ممارسة أقرب إلى التقاليد دون تعصب ولا تزمت، ولكن الأعوام الأخيرة شهدت بروز السلفية الوهابية التي تريد أن تفرض نفسها كمثال للإسلام الحق، وما داعش إلا صورة منها، حتى بات المسلمون وغير المسلمين يعتقدون أن الأمر كذلك.

هذا “النجاح” يفسّره الباحث بانصراف المعتدلين إلى ما يفيدهم في حياتهم العملية، وكثرة العراقيل التي تمنع القلة المستنيرة من الإصلاح، فهم عادة ما يُنعتون بأعداء الإسلام، والمتواطئين مع الغرب.

◄ متاعب العمل الثاني

“بيست سيلر” أو “الكتاب الأكثر مبيعا” هو عنوان الرواية الثانية للكاتب والصحافي المغربي رضا دليل، وبطلها روائي ينال الشهرة والمجد عن رواية أولى، فينصرف عن الكتابة ليغنم ما يأتي من وراء هذه العمل الذي جعل منه نجما بارزا في سماء الدار البيضاء، حيث تتعدّد الدعوات وترتفع المبيعات وتنهال المكاسب، وفي ظنه أن ذلك سيدوم إلى ما لا نهاية، ولكن بعد مضيّ أعوام يخفت نجمه ويلتفت النقاد إلى سواه، فيضطرّ إلى الجلوس لإبداع عمل ثان. هذا العمل الثاني سيستعصي عليه، وسيلفي نفسه عاجزا أمام الصفحة البيضاء، لا يدري ما يكتب. وبما أنه قد أصبح في الأثناء ربّ أسرة، فقد صار يشعر أن المخرج الوحيد بالنسبة إليه هو “بيست سيلر” وإلا فالإفلاس على الأبواب. الرواية يمكن أن تقرأ كسيرة ذاتية، ويمكن أن تقرأ كنقد اجتماعي لواقع مدينة عملاقة مليئة بالمتناقضات.

◄ الفردوس الأندلسي

في كتابه الجديد “أسطورة الفردوس الأندلسي: المسلمون والمسيحيون واليهود تحت الحكم الإسلامي في أسبانيا القرون الوسطى”، يستقصي المؤرخ الأميركي/الأسباني داريو فرنانديز موريرا، أستاذ الدراسات البرتغالية والأسبانية بجامعة نورث ويسترن في إلينوي، المقولات المتعلقة سواء “بالدور الهام الذي لعبه الإسلام، على المستوى الثقافي، في تطور الحضارة الأوروبية الغربية”، أو تلك التي تستبصر القرون الوسطى حيث ظهرت “أوروبتّان: الأولى؛ أوروبا مسلمة آمنة في دفاعاتها، ومتسامحة دينيًّا، وناضجة ثقافيا وعمليا.

والثانية؛ أوروبا المسيحية، والتي كانت ساحة لحروب متلاحقة حيث سادت الخرافة عوض الدين وكان نور المعرفة ضعيفا”. صدر الكتاب في أواخر شهر فبراير من هذا العام، عن معهد الدراسات المشتركة بين الكليّات في الولايات المتحدة.

سلطويّة أردوغان

◄ الربيع العربي والنموذج التركي

بعد كتابه “ثورة خاملة: استيعاب التحدي الإسلامي للرأسمالية”، يعود الكاتب التركي جيهان توعال، أستاذ علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا، إلى الحديث عن سلطويّة أردوغان في كتابه الجديد “سقوط النموذج التركي: كيف أطاحت الانتفاضات العربيّة بالليبرالية الإسلامية” الذي صدر في هذه السنة عن دار “فيرسو” بنيويورك. يجادل توغال في كتابه بأنّ جذور السلطوية التركية الصاعدة بقوّة في الآونة الأخيرة “ليست نابعة، بكل بساطة، من سلطوية أردوغان فحسب، ولكنها متجذرة، عميقًا، في النمط التركي العجيب لليبرالية الإسلامية.

حيث يعتقد بأنّ معضلة تركيا ناجمة عن المزاوجة بين النيوليبرالية والديمقراطية التي تشكّل أساس هيمنة حزب العدالة والتنمية منذ صعوده إلى الحكم في العام 2002.. ولا يمكن فهم هذا الأنموذج إلّا بوصفه استجابة للسياسات الإقليمية، خاصة بوصفه استجابة للنموذج الإيراني، بمزاوجته بين مذهب التشاركيّة والثورة الإسلامية”.

◄ الشرق والتاريخ الجديد

“إنّه يقلب التاريخ رأسًا على عقب”، بهذه الجملة عنونَ ريتشارد لفتهاوس مراجعته النقدية لأحدث كتب مدير مركز الدراسات البيزنطية بجامعة أكسفورد بيتر فرانكوبان «طرق الحرير: تاريخ جديد للعالم».

ولم تكن هذه العبارة مبالغا فيها البتّة، فهذا الكتاب يقدم تاريخًا مغايرًا “للفكرة التقليدية القائلة بأن الحضارة الغربية تنحدر من الرومان الذين كانوا ورثة الحضارة اليونانية التي كانت، بدورها، في بعض الروايات، وريثة الحضارة المصرية.. حيث يجادل كوكبيرن بأن الإمبراطورية الفارسية هي التي كانت المركز المحوري لصعود الحضارة الإنسانيّة.

يظهر الكتاب، في استقصائه العميق، كيف تلاقى الشرق والغرب، لأول مرة، على طرق الحرير، عبر التجارة والفتوحات، وعبر استبطان مكثف لزمن يمتّد من “صعود الإمبراطوريات وسقوطها إلى انتشار البوذية وصعود المسيحيّة والإسلام، إلى الحروب العظيمة في القرن العشرين”.

14