التاريخ يستعيد هزائمه في "ملوك الطوائف" على خشبة قرطاج

مسرحية أوبرالية تستعرض فترة من أهم تاريخ العرب بقراءة تسقط الماضي على الحاضر وتستلهم العبر وتذكّر بالدرس الذي يتغافل الحكام عن مغزاه.
الأربعاء 2019/07/17
عرض صفق له الجهور طويلا

تونس – لليلتين متتاليتين، الاثنين والثلاثاء، عاش جمهور قرطاج الدولي في دورته الـ55، مع المسرحية الأوبرالية “ملوك الطوائف” لمروان الرحباني في الإخراج وغدي وأسامة ومروان وإلياس الرحباني المشاركون في التلحين والتوزيع، عن نص وألحان للراحل منصور الرحباني والتي قدّمت لأول مرة في العام 2003، وبقيت تُعرض على مدى ثمانية أشهر، ثم عادت لتُعرض في المسارح العربية في العام 2016، وهي من بطولة غسان صليبا وهبة طوجي وبمشاركة أكثر من 30 راقصا وراقصة.

و”ملوك الطوائف” تحكي في الظاهر قصة بدء الانهيار العربي في الأندلس، إثر الفرقة بين صفوف المسلمين والتخاذل والاستقواء بالنصارى من أجل محاربة بعضهم البعض طمعا في البقاء على سدّة الحكم، الأمر الذي قسّم الأندلس إلى دويلات صغيرة، بعد أن كانت دولة متّحدة، وقد برزت فيها سبع مناطق مهمة هي: منطقة بني عبّاد، وبَني جَهُور، وبَنِي زيري، وبَنِي الأفطَس، وبَنِي ذي النّون، وبَنِي هود، وبَنِي عامر، وإلى جانب ذلك قُسّمت هذه المناطق إلى مناطق أخرى، مما جعل العدد الإجمالي للدويلات داخل أرض الأندلس يصل إلى اثنتين وعشرين دويلة، لتُعلن الأندلس انهيارها وهي التي كانت صرحا فتهاوى.

أما باطن العرض فيحكي الوضع العربي الآن وهنا، ويكشف قبح الطمع في المناصب والمغانم الذي سرعان ما يودي بالساسة ومن ثمة الشعوب لتعيش شتاتها وهي على أرضها وبين شمسها.

واستعرض الرحابنة في المسرحية الأوبرالية التي امتدت زهاء الساعتين وخمسين دقيقة، فترة من أهم تاريخ العرب بقراءة تسقط الماضي على الحاضر وتستلهم العبر وتذكّر بالدرس الذي يتغافل الحكام عن مغزاه، وهو أن الفتن هي أصل المحن لكل دولة تروم كتابة تاريخها بالدم، ومن ثمة تغدو هذه الكتابة للتاريخ إلى نوع من إعادة إنتاج مُبتذل لمهزلة جديدة.

فملوك الطوائف، كما قال أسامة الرحباني في المؤتمر الصحافي الذي سبق عرضيْ قرطاج، “يتكررون ويعودون في أزمنة وأمكنة متعددّة.. ولعلنا اليوم نعيش هذا التاريخ وقد نصادف أحد هؤلاء الملوك يتصدّر إحدى الحفلات، أو يصرّح لوسيلة إعلامية”. مضيفا “ملوك الطوائف، مسرحية تحاكي الأجواء العربية السائدة من خلال سرد تاريخي لوقائع عاشتها الأمة العربية في الأندلس وظلت تحت تأثيرها إلى يومنا هذا”.

هذا على مستوى المحتوى، أما العرض الذي أتى من فصلين بأزياء وديكورات وإضاءة باهرة زادتهم سحرا هيبة خشبة قرطاج التي جعلت بعض الممثلين في المسرحية يرتبكون، ولو قليلا، في طريقة وقوفهم وحركتهم وتلقّفهم للكلمات من بعضهم البعض، إلاّ أن العرض في المجمل جاء مُتّسقا وروح قرطاج الفينيقية الهوى، فكان تفاعل الجمهور مع العرضين على قدر إبداع الرحابنة وجدّة طرحهم، والذي صفّق له الحضور طويلا إثر نهاية كل عرض.

في النهاية ما يحسب لـ”ملوك الطوائف” في كلا العرضين تلك الخامة الصوتية التي يتمتع بهما كل من غسان صليبا وهبة طوجي، وهذه الأخيرة أمتعت جمهور قرطاج بصوت ملائكي قوي يجمع بين “العُرب” المشرقية والميزوسوبرانو الأوبرالي، وهي التي كانت أفضل خلف لمواطنتها كارول سماحة التي سبق لها أن قدمت دور اعتماد الرميكية، الغسّالة التي وقع في حبها ملك إشبيلية المعتمد بن عباد وأصبحت سيّدة القصر.

وكارول سماحة، ستحلّ بدورها ضيفة على مهرجان قرطاج في دورته الـ55 في التاسع من أغسطس القادم عبر سهرة خاصة ستغني فيها من سجلّها الشخصي، وذلك في أول صعود لها على خشبة المسرح الروماني العريق.

وتتواصل عروض مهرجان قرطاج الدولي في نسخته الحالية إلى غاية 20 أغسطس القادم.

24