التاريخ يعيد نفسه لأرمن سوريا اللاجئين في لبنان

الأربعاء 2015/04/22
الأرمن في لبنان يؤكدون على أن مجزرة 1915 لا تزال تخيم على الأذهان

برج حمود (لبنان)- بعد مرور قرن من الزمن على المجازر التي تعرّض لها الأرمن، تعود ذكرى الإبادة المؤلمة إلى أذهان آلاف السوريين الأرمن الهاربين إلى لبنان من جحيم النزاع في بلادهم، وكأن تاريخ ملاحقتهم حيث حلّوا يعيد ذاته..

قالت ماغي ملكونيان، لاجئة سورية أرمنية في لبنان، “تماما كما غادر أجدادنا من دون أي شيء، حدث الأمر ذاته معنا”. تحبس ملكونيان دموعها، وهي تروي كيف خرجت من منطقة السليمانية في مدينة حلب شمالي سوريا نحو لبنان قبل أكثر من عامين. وتقول بصوت متقطع “نعيش اليوم إبادة ثانية، فقدنا منازلنا.. يموت شعبنا مجددا”.

وتشعر اللاجئة السورية بالأمان اليوم في لبنان، وهي تقيم مع ابنتها وصهرها وأحفادها في منطقة برج حمود، حيث تعيش غالبية من الأرمن (شمال شرق بيروت). أما زوجها فبقي في حلب بعدما رفض أن يترك خلفه كل شيء على غرار ما فعل أسلافه من الأرمن الذين فروا من ديارهم خشية بطش الجيش التركي عام 1915.

وتبقى وقائع المأساة التي يمرّ عليها مئة عام هذا الشهر، محور نزاع بين تركيا وأرمينيا، إذ تتهم يريفان والأرمن في دول الشتات القوّات العثمانية بقتل 1.5 مليون أرمني في إطار حملة تصفية منهجية للقضاء على الشعب الأرمني، وذلك في منطقة الأناضول شرق تركيا اليوم.

10آلاف أرمني سوريلجأوا إلى لبنانحسب التقديرات

في المقابل، تؤكد تركيا أن مئات آلاف الأتراك والأرمن قتلوا في معارك بين القوات العثمانية والروسية للسيطرة على شرق الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى.

وفي برج حمود، تحضر ذكرى المجازر على لسان كل الأرمن اللبنانيين منهم والسوريين. وقبل أيام من إحياء ذكرى المجازر في 24 أبريل، امتلأت الجدران بشعارات ورسومات كتب عليها باللغة الإنكليزية “تركيا، الإبادة: مذنبة”. كما ارتفعت لافتات وملصقات مذيّلة بعبارة “نتذكر ونطالب”، في إشارة إلى تكرار مطالبة كل الدول، بما فيها تركيا، بالاعتراف بحصول “إبادة جماعية” بحق الأرمن.

وفيما ينشغل أرمن لبنان في الإعداد لنشاطات ومسيرات إحياء للذكرى، يعيش العديد من الأرمن السوريين اللاجئين إلى لبنان فصول المأساة وكأنها تحدث اليوم بسبب صعوبة ظروفهم ومشاعر الأسى تجاه بلدهم المدمر منذ أربع سنوات.

ويتحدث هؤلاء عن أوجه الشبه بين تجربة أجدادهم والأحداث الأخيرة التي عايشوها في سوريا على غرار استهداف مدينة كسب الأرمنية في محافظة اللاذقية، شمال سوريا، وتدمير كنيسة أرمنية في دير الزور، شرق البلاد، كانت تضمّ بقايا رفات ضحايا 1915. وتقول مارال غيلويان، 30 عاما، “أشعر أن التاريخ يعيد ذاته.. نحن مرهقون.. لم نقو طيلة هذه السنوات على الشعور بالراحة والاسترخاء”.

واختبرت غيلويان تجربة النزوح مرتين، فقد هربت في المرة الأولى مع عائلتها من بغداد عام 2005 نتيجة أحداث العنف التي تلت الاحتلال الأميركي للعراق، واستقرت في حلب حيث تعرّفت على زوجها السوري الأرمني ورزقا بثلاثة أولاد.

وقد نزحت في المرة الثانية إلى لبنان بعد إصابة زوجها العام الماضي بقذيفة هاون. تقول غيلويان “أريد العيش بسلام لكن لم أعرف إلا الحرب”.. ونزح أكثر من مليون سوري إلى لبنان نتيجة النزاع السوري الذي أدّى خلال أربع سنوات إلى مقتل أكثر من 220 ألف شخص ونزوح نصف سكان سوريا.

قبل أيام من إحياء ذكرى المجازر في 24 أبريل، امتلأت الجدران بشعارات ورسومات كتب عليها باللغة الإنكليزية "تركيا، الإبادة: مذنبة"

ويوضح ألكسن كاشكاريان، عضو حزب الهنشاك الأرمني في لبنان، أن كل السوريين يعانون بفعل النزاع وليس الأرمن وحدهم، مستدركا أنّه “بالنسبة للأرمن السوريين، إنها هجرة قسرية ثانية”. ويضيف كاشكاريان “إنه جرح مزدوج.. الألم يتكرر مجددا”، قائلا “يشعر بعض أبناء شعبنا أنهم يعيشون هجرة لا تنتهي”..

بين الواصلين أخيرا من حلب، عدد من أفراد عائلة كاشكاريان. عام 1915، طرد أجداده من منطقة كيليكيا، تركيا اليوم، واستقروا في لبنان. وخلال الحرب الأهلية في لبنان، الممتدة من 1975 إلى 1990، لجأت العائلة إلى حلب ولم تعد إلى لبنان إلا مع بدء النزاع السوري.

وتشير التقديرات إلى نزوح 10 آلاف أرمني سوري إلى لبنان. وقصد كثيرون منهم مركز جمعية كاراغوزيان في برج حمود التي تقدم خدمات طبية ودروسا في اللغات ومواد أخرى لمن يرغب.

ويوضح موظفون في المركز وهم من الأرمن اللبنانيين أن عملهم مع الأرمن الوافدين من سوريا عزّز من رمزية مأساة عام 1915 بالنسبة إليهم. ويشيرون إلى أنهم يسمعون اليوم قصصا تعيد إلى أذهانهم ما سمعوه من أجدادهم عن تجارب عاشوها قبل عشرة عقود.

ويقول مدير المركز سيروب أوهانيان “إنه لأمر مأسوي مشاهدة تاريخ الأرمن يعيد نفسه حتى بعد مئة سنة.. قبل مئة سنة، بدؤوا كل شيء من الصفر بعد تهجيرهم، حيث رحّب بهم الشعبان اللبناني والسوري وغيرهم… وكل ما بناه البعض دمر بعد مئة عام”.

من جانبها، تعتبر كريستين سركيسيان، العاملة الاجتماعية في المركز، “ليست المعاناة بالدرجة ذاتها اليوم، لكن من الصعب عدم الشعور بأن التاريخ لا يعيد نفسه”، مضيفة أن ما يجري “يعزز فكرة أن على كل منا أن يكون مستعدا في أي وقت للفرار”.

20