التبادل التعليمي والثقافي الأوروبي في مهب بريكست

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أدى إلى إنهاء برنامج “إيراسموس".
الاثنين 2021/02/08
بريكست يقلص فرص التمويل أمام الطلبة

لندن - من بين أكثر النجاحات الملحوظة التي حققها الاتحاد الأوروبي برنامج “إيراسموس” الذي يسمح لطلاب الجامعات بالدراسة في دول أوروبية أخرى وأن ينهلوا من ثقافتها.

فمثلا نجد أن ماكس هوجربه طالب الطب الألماني الذي يبلغ من العمر 29 عاما، قرر أن يدرس فصلا دراسيا في ويلز، غير أنه لم يكن لديه توقعات كبيرة في البداية، ويتذكر ما حدث قائلا “أعجبت كثيرا بالبرنامج، وأود أن أقول إنه شيء ينبغي على كل شخص أن يفعله”.

كما أن إيزابيلا جويل التي درست مؤخرا في فرنسا وإيطاليا، قبل أن تعود إلى مقاعد الدراسة في مانشستر، أصبحت أيضا مقتنعة تماما بهذا البرنامج، وتقول إنها ما كانت لتستطيع تعلم الفرنسية والإيطالية جيدا من خلال الحصص الدراسية التقليدية.

وثمة مئات الآلاف من أمثال قصص النجاح هذه لبرنامج “إيراسموس”. ولكن الآن، كتبت نهاية القصة بالنسبة إلى عشرات الآلاف من البريطانيين الذين اعتادوا أن يمضوا فصلا دراسيا في الخارج، أو على العكس من ذلك بالنسبة إلى الأوروبيين الآخرين الذين تزاحموا على جامعات بريطانيا الشهيرة ونهلوا من ثقافتها العريقة.

وأدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى إنهاء وجودها كجزء من برنامج “إيراسموس”، وسيكون الجيل المستقبلي من الطلاب البريطانيين قادرا على الدراسة في الخارج من خلال برنامج “تورينغ” البديل. وأطلق على هذا البرنامج اسم عالم الكمبيوتر البريطاني الشهير ألان تورينغ، الذي فك أسرار الشفرة الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن برنامج “تورينغ” يعمل في اتجاه واحد فقط.

وقال بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني “ستتاح الفرصة للطلاب البريطانيين ليس فقط للذهاب إلى الجامعات الأوروبية، ولكن أيضا للدراسة في أفضل الجامعات في العالم”.

ويتم ضخ 100 مليون جنيه أسترليني (135 مليون دولار) في البرنامج في عامه الأول، ويمكن للطلاب البريطانيين أن يقدموا طلبات للحصول على التمويل، ولكن طلاب الاتحاد الأوروبي لن يحصلوا على سنت واحد منه.

ويقول عالم الجغرافيا ديفيد سيمون بجامعة رويال هولوواي بلندن “إن هذا البرنامج لا يمثل بديلا حقيقيا في هذه الحالة”، ويضيف “إن مثل هذه البعثات الدراسية المتبادلة تعد طريقة للتعبير عن الروح الأوروبية”.

برنامج تورينغ يمكّن الطلاب البريطانيين من تقديم طلبات للحصول على التمويل، ولكن الطلاب الأوروبيين لا يمْكنهم ذلك

وفي هذا الصدد، ربما ما يثير الدهشة أن الحكومة اختارت أن يكون البرنامج مكونا من طرف واحد بديلا لبرنامج “إيراسموس”.

أما عالم السياسة جيمس سلوام من نفس الجامعة فيعرب عن اعتقاده بأن هناك افتراضا أيديولوجيا مفاده أن “إيراسموس” يكوّن طلابا شبابا مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وليس برنامجا يفيد بريطانيا على المدى القصير بعد أن خرجت من الاتحاد الأوروبي، وذلك في نظر مؤيدي بريكست المحافظين.

ويعرب ريتشارد توي أستاذ التاريخ بجامعة إكستر عن أسفه إزاء ظهور جيل بكامله من الطلاب وصفهم بأنهم فقدوا الفرص ويواجهون الكثير من مشاعر عدم اليقين، ويوجه توي الانتقاد للبرامج البديلة الجديدة باعتبارها تبدو في البداية على أنها صيغت على ظهر ظرف خطاب.

وترى الطالبة جويل أنه من المرجح أن تزيد المنافسة حول الفرص المحدودة بالبرنامج الجديد، مما يعني أن مقدمي الطلبات الأقل حظا بشكل خاص لا يمكن أن تتاح لهم هذه الفرص.

وتضيف جويل أنه من المهم بشكل متزايد أن تتاح لطلاب الجامعات خاصة الذين يدرسون لغة أجنبية الفرصة للإقامة في الخارج، مما يسهل استخدامها في حياتهم اليومية، وعلى أية حال هناك بالفعل مشكلة كبيرة تتمثل في معلمي اللغات في بريطانيا.

ولفترة طويلة ظل عدد المشاركين في البرنامج الذين جاؤوا إلى بريطانيا للدراسة أعلى بكثير من الاتجاه العكسي، ففي عام 2019 توجه نحو 18 ألف طالب بريطاني إلى دول في الاتحاد الأوروبي في إطار برنامج “إيراسموس” للدراسة أو التدريب، وللمقارنة جاء إلى بريطانيا أكثر من 30 ألف طالب أوروبي.

وكما هو الحال في الغالب، كانت الأمور مختلفة قليلا في الشمال بعيدا عن لندن، ووصفت رئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجون خروج بريطانيا من برنامج “إيراسموس” بأنه نوع من “التخريب الثقافي”، وقالت إنه لو كان الأمر بيدها لقررت عودة أسكتلندا سريعا إلى البرنامج.

وأعرب ماكس هوجربه طالب الطب الألماني الذي يصف نفسه بأنه “محب لإنجلترا”، عن أسفه لخروج بريطانيا من البرنامج، ويقول إن الطلاب الأوروبيين لا يزال بإمكانهم، لحسن الحظ، أن يتمتعوا بما يحمله برنامج “إيراسموس” من خبرات في دول أخرى.

ويضيف “إن كثيرا من محتويات إيراسموس ستظل باقية لدول الاتحاد الأوروبي الأخرى”، غير أن الطلاب البريطانيين لا يمكنهم ترديد نفس القول، فبالنسبة إليهم ألغيت بشكل مباشر المقاصد التي يبلغ عددها 27 دولة أوروبية كان يمكن أن يستفيدوا من خبراتها في إطار “إيراسموس”، ومن هنا صارت أنظار أولئك الطلاب تتجه صوب برنامج “تورينغ” البديل.