التباس الحاكمية: المودودي يضع الإنسان في رتبة الله ليستأثر بالحكم

راهنية موضوع التكفير والاقتتال الطائفي في المجال العربي والإسلامي، دفعت العديد من الكتاب إلى البحث عن الإنتاجات الفكرية والمعرفية التي تدحض طروحات التطرف والعنف التي أغرقت المجال السياسي والإعلامي في الفترة الأخيرة، أي الفترة التي ارتفع فيها منسوب انتشار الإسلام السياسي في الوطن العربي. وفي كتاب “الحاكمية” للمفكر السوداني محمد أبو القاسم الحاج محمد، نجد أن إعادة فهم المرتكزات التي بنى عليها الباكستاني أبو الأعلى المودودي نظريته في ما أسماها “الحاكمية لله” تعد مهمة فكرية وسياسية مستعجلة. إذ تعتبر الحاكمية أهم نظرية تستقي منها حركات الإسلام السياسي مقولاتها في التكفير وتبرير العنف وغسل أدمغة الموالين والمريدين.
الاثنين 2015/09/07
مغالطات أفكار مثل الحاكمية سلاح فعال لانتشار الحركات المتطرفة

يرى الحاج محمد أن الحاكمية كما صاغها المودودي، ثم طوّرها الإخواني المصري سيد قطب “تقود إلى عطالة الإنسان وسلبيته وتوقعه في مقولة الجبر المتحجرة”. ومن هنا عمد إلى استنطاق القرآن حول الحاكمية لينتهي إلى أن “طرح المقابلة بين حاكمية الله وحاكمية البشر أمر لا يستقيم فلسفيا وفق منهجية القرآن المعرفية، وذلك للفارق الجوهري بين الطبيعتين”.

ويفسر المفكر السوداني الفرق بين طبيعتي الحاكمية (حاكمية الله وحاكمية الإنسان) بالتفريق بين مجالي تحقق الحاكمية، باعتبارها نوعا من النظام السياسي الذي له قوة ناجزة ومباشرة على الإنسان.

فمجال الحاكمية الإلهية هو الوجود أو الخلق الأولي والأساسي للأشياء ونظام الكون والحياة والطبيعة، أما حاكمية الإنسان فإنها تتماهى مع مجريات تلك القوانين الأولية، لتصنع نظاما يلائم طبيعة الإنسان ذاتها في التحكم والقيادة وإيجاد حلول لألغاز الأرض والحياة والطبيعة.

وبالتالي فإن فكرة العالمية والإنسانية يمكن أن تبدأ فعلا من خلال هذه الجدلية الأولى بين “الحاكميتين”: علو مفارق أصلي وأولي يخص عالم الإله الخالق ودنيوية متماهية مع الطبيعة والتطور والتاريخ الملتصق بالإنسان.

وفي هذا الصدد، يقول الحاج محمد إنه “بالحاكمية البشرية تحول الخطاب إلى خطاب عالمي، لا إلى خطاب قبلي أو ديني أو طائفي منحصر في المجال الديني الخاص، فالمشترك الإنساني أصبح متاحا للناس كافة”.

التجسيد الفعلي للحاكمية هو العمل بما يتلاءم مع الإنسان وليس الارتباط بنصوص تم تسييسها

إن استنتاج الاختلاف الجذري بين حاكمية الله وحاكمية الاستخلاف الإنساني هو دعم مباشر لماهية علوية الخالق وتعاليه عن الإنساني الذي يعبده، باعتبار اختلاف الاختصاصات في الحاكمية. إذا لا يمكن دمج ما هو إلهي مع ما هو إنساني في الآن ذاته، فيصبح الإنسان الذي سوف ينوب الله في حاكميته على الأرض “إلها في حد ذاته”.

وبذلك، فإن نظرية الحاكمية التي ابتدعها أبو الأعلى المودودي تحمل أزمتها ونقيضها في داخلها نظرا لبنيتها المتناقضة بين الدعوة لحاكمية الله عبر شريعته التي لن تخرج عن تمثيل إنساني لها في آخر المطاف.

إن الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات، دفع الكاتب الحاج محمد إلى التأكيد على أن الحركات الإسلامية التي تتبنى طرح المودودي ليست سوى “أحزاب متشكلة من طامحين في السلطة السياسية بشكل يتلاءم مع قدرتهم المعرفية ومجال تفكيرهم وسيطرتهم لا أكثر”. في حين أن مجالات السلطة اليوم تغادر الإطار الديني لتتوسع في أفق المعرفة الإنسانية بشكل عام.

وتمثل مقاربة الحاج محمد للمسألة السياسية نموذجا دالا على منهجيته الفكرية، وكيفية قراءته للنص الديني ولتاريخ النوع الإنساني. فقد انطلق من الآيتين 104 و105 من سورة البقرة ليستخلص أن القرآن لا يفرق بين خاصة وعامة، وهو التفريق الذي تبناه دعاة الحاكمية لتمييز “الحاكم من المحكوم” وفق منهجهم. إذ ترفض الآيتان مناداة الرسول بـ”راعنا” وتعوضها بعبارة “انظرنا”. وبناء على ذلك يرفض الحديث المبدوء بـ”كلكم راع” لتعارض متنه مع القرآن، إذ ينتهي إلى تأسيس طبقية وتفاضل في حين ترفض منهجية القرآن كل أشكال التفاضل بين البشر.

وقد بنى الكاتب تصوره للسلطة السياسية على النموذج القرآني ذاته، وهو نموذج يمرر السلطة إلى “أولي الأمر منكم” والمعرفة إلى “الذين اصطفينا من عبادنا” ويأمر بالدخول “في السلم كافة” ويبني الحكم على قاعدة “الشورى”. وهي توجيهات نصية، بغض النظر عن خضوعها للتأويل بشكل أو بآخر، إلا أنها توضح حسب الكاتب التباعد بين مجالين للحاكمية: الإلهية العليا والإنسانية الدنيوية.

13