التباس العلاقة بين الدين والسينما في منع فيلم "الخروج"

الجمعة 2015/01/09
بعض مؤيدي منع فيلم "الخروج" يتذرعون بالنفحات الأيديولوجية

عرفت السنة الماضية ضجة حول فيلم “نوح” للمخرج الأميركي دارين أرونوفسكي، وها هو نفس الجدل يسود هذه المرة بحدّة أكثر حول فيلم “الخروج: آلهة وملوك” للمخرج البريطاني ريدلي سكوت، وهو فيلم ملحمي تاريخي ضخم بالنظر إلى الأموال التي تمّ استثمارها في بناء الأحداث المرتبطة باستعادة الفترة التي ظهرت فيها رسالة النبي موسى.

لا نريد مناقشة فيلم “الخروج: آلهة وملوك” الذي تبين مشاهده ولقطاته قوته الجمالية، وبراعة إخراجه التي لم تشاهدها الأعين “المفتوحة” للرقيب الأعمى، ولم تنتبه إلى توظيف المناظر الطبيعية والديكورات المشيدة والإكسسوارات والكومبارس والمؤثرات البصرية والحيوانات، وجماليات التصوير والهندسة الصوتية وحبكة الكتابة السيناريستية ودقة التقنيات السينمائية، وغيرها من المؤشرات الإستيتيقية التي ترقى بالذوق الإنساني.

لا نودّ أن نمدح الفيلم، ولكن قوته الجمالية تفرض علينا احترام مخرجه والفريق المساهم في إنجازه، فمن غير اللائق ألاّ نرى إلاّ ما لا يعجبنا، متناسين أن قوة الفن السينمائي في جنوح خياله، ومن حق كل مبدع أن يجنح ما دام لا يجبر أحدا على إتباع رؤيته.

عكس رجل الدين وغيره من ذوي الرؤى الدوغمائية الضيقة التي تتبنى احتكار الدفاع عن الدين، والاستئثار بالقول فيه، وادّخار ذلك إلى أن تأتي الفرصة السانحة لاستثماره أثناء الحملات السياسية، والوصول إلى السلطة عن طريق حشد الجماهير بغرض الوصول إلى الحكم.

قوة الفن السينمائي في جنوح خياله، ومن حق كل مبدع أن يجنح ما دام لا يجبر أحدا على إتباع رؤيته

يتذرع بعض مؤيدي المنع بالنفحات الأيديولوجية (دينية، صهيونية..) الكامنة في ثنايا الفيلم، والظاهر أن هذه الدعاوى متسترة في كل ما يروج من مواد استهلاكية، ومنتجات ذهنية إلى درجة لم يعد الإنسان يأبه لحضورها، ولم تثن أحدا عن ممارسة قناعاته الإيمانية والسياسية، كما أنها لم تستطع أن تجتث روح المقاومة المزروعة لدى كل المناضلين عن القضايا العادلة.

فهل استطاعت أفلام البروباغندا الإسرائيلية أن تزيل من نفوسنا عدالة القضية الفلسطينية؟ وهل استطاعت الأفلام التبشيرية المسيحية أن تحوّل العالم إلى أتباع للنبي عيسى؟

لا بدّ من إنضاج المتلقي عوض وضع الوصاية عليه، فالوسائل التكنولوجية سهلت التواصل لأغراض معروفة، وصارت الرقابة تتخذ طرقا أكثر ذكاء ونجاعة في الزمن الراهن، كالتعويل على نشر مبادئ الفكر العقلاني الذي يعطي القيمة للنقد والعلم، والتكوين في مجالات التربية الفنية، وإدخال الدراسات المقارنة للأديان والثقافات والحضارات، والتعويل على مقارعة الفن بالفن.

ويجب أن ننعش فكر الاختلاف والمغايرة الذي يفيدنا درسه بأن الممنوع في ثقافة معينة، ليس بالضرورة أن يكون ممنوعا في ثقافة أخرى، وأن ما يصدر عن الإنسان يحتمل الصواب والخطأ، الخير والشر.

هذا بالرغم من أن الفنان لا يمكن أن تكون خطورته أكثر من أولئك الذي يصادرون الحق في التعبير والرأي عبر الوسائل الإبداعية، ويحتكرون القول باسم المطلق مدعين امتلاك الحقيقة.

في مثل حالة منعِ فيلم “الخروج: آلهة وملوك” لأول مرة في تاريخ المغرب، وفي عهد حكومة يتزعمها حزب ذو مرجعية تمتح من الدين، فإن تخوفات المهنيين والمهتمين تنبع من خدش تلك الصورة التي صار المغرب يرسمها لذاته بخصوص الحريات، والتي ناضل من أجلها الحقوقيون والمثقفون، واستفاد منها الجميع دون استثناء، وخاصة حريتي التفكير والتعبير.

فيلم "الخروج: آلهة وملوك" تبين مشاهده ولقطاته قوته الجمالية وبراعة إخراجه التي لم تشاهدها الأعين “المفتوحة” للرقيب الأعمى

فإن سلوكات غير محسوبة كهذه من شأنها أن تعصف بالمسار الذي اختطه المغرب لنفسه ضمن مؤشرات الحريات، وإلاّ فما معنى أن تتناقض الممارسة العملية مع ما جاء في الدستور، ولا سيما في الفصل 25 الذي يقول: “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.. حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة”، أمام هذه المعطيات فكل منع صريح أو مضمر باسم الدين يبشر بالتراجع عن فحوى ما تمت الإشارة إليه أعلاه، ويجعل الشك يتسرّب إلى نفوس الناس بخصوص ما تحقق، ويدفع العقلانيين إلى الخوف من العودة إلى اللاعقل، وإلى عهد القرون الوسطى (المظلمة)، خاصة وأن القرآن يتضمن آيات واضحة في باب غنى الله عن أفعال العباد، ومنها: “ومن كفر فإن الله غني عن العالمين” (سورة آل عمران- آية 97)، ثم “ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين” (سورة العنكبوت- آية 6).

إن وضوح هذه الآيات ليفضح تستر بعض الأصوات، ومن خلالها بعض القرارات، خلف أجندة معينة تهدف إلى توظيف السينما خاصة والفن عامة في بلوغ مآرب سياسوية، بغض النظر عن أهداف الفيلم الذي يظل مجرّد رقم ضمن الفيلموغرافيا التي تناولت الأديان، ولم تزعزع عقيدة المسلمين، لأن من ينقاد وراء أفكار دينية معينة، يصعب عليه التراجع عنها، اللهم إذا اقتنع بسواها.

16