التبرعات الإجبارية للمدارس تضاعف من أزمات الأسر البسيطة في مصر

إلزام الآباء بدفع أموال لإلحاق أبنائهم بالمدارس يوسع من دائرة التسرب المدرسي.
الأحد 2021/08/01
الأعباء المالية للتعليم تثقل كاهل الأسر

تضاعف التبرعات الإجبارية للمدارس من الأعباء المالية وأزمات الأسر البسيطة في مصر التي تكافح من أجل توفير المبالغ المطلوبة للمدارس نظير التحاق أبنائها بمقاعد الدراسة. وفيما تتناقض فكرة التبرعات مع مجانية التعليم التي أقرها الدستور، فإن الخطورة تكمن في عجز بعض الأهالي عن توفير هذه المبالغ واللجوء إلى منع أولادهم من التعلّم، وتسعى الحكومة المصرية لعلاج مشكلة التسرب المدرسي بشتى الطرق.

القاهرة - اصطدم ياسين محمد، وهو حارس عقار بحي المطرية الشعبي بالقاهرة، عند التقديم لأوراق ابنيه التوأم في المدرسة الحكومية الواقعة بنطاق المنطقة السكنية التي يقطن فيها بوجود تسعيرة إجبارية وضعها مدير المدرسة نظير قبول أوراق الأطفال الجدد، حيث طُلب منه دفع ألف جنيه (70 دولارا) عن كل طفل، وإلا سيتم اعتبار ابنيه غير ملتحقين بالمدرسة وعليه البحث عن أخرى لهما.

حاول الأب خفض قيمة المبلغ، لكن مدير المدرسة رفض بشكل قاطع وأبلغه بأن هذه الأموال لن يضعها في جيبه الخاص، بل يجمعها لأجل الإنفاق على احتياجات القاعات الدراسية وتنظيف المدرسة وسد متطلباتها في ظل ندرة الموارد التي تتحصل عليها المدارس من وزارة التربية والتعليم كل عام، ويتم الاعتماد على الأموال التي سيتم تحصيلها من أولياء أمور الأطفال الجدد لسد بعض الثغرات.

وقال ياسين لـ“العرب” إن المبلغ المطلوب دفعه لإدارة المدرسة نظير قبول طفليه يوازي راتب شهر من عمله كحارس عقار، وهي معاناة أصبح يتعرض لها بعض أولياء الأمور من الأسر البسيطة والكادحة التي تجاهد لتعليم أولادها كي لا يكون مصيرهم التسرب من المؤسسات التعليمية، والغريب أن الآباء لا يحصلون على ما يثبت أنهم دفعوا للمدرسة أموالا في شكل تبرعات.

تصل التسعيرة التي تفرضها المدارس على الأسر في مصر نظير قبول الأبناء في الحقل التعليمي إلى أرقام كبيرة تفوق قدرات النسبة الأكبر من أولياء الأمور، خاصة في المناطق الريفية والشعبية، فأغلب أرباب الأسر هناك يعملون في مهن ضعيفة ماديا، مثل الحرف الصغيرة والأعمال غير المنتظمة، وهؤلاء بالكاد يستطيعون جمع المتطلبات الضرورية لأسرهم.

ما يلفت الانتباه أن وزارة التربية والتعليم بمصر تصدر قرارات دورية في مواعيد التقديم للمدارس سنويا تحظر خلالها جمع تبرعات إجبارية من أرباب الأسر، وتتوعد المخالفين بعقوبات قاسية تصل إلى حد الإبعاد الوظيفي، لكن الكثير من الأهالي لا يستطيعون إثبات فرض التبرعات عليهم ولا يعرفون من الأساس أن هذه الأموال يتم جمعها بشكل غير شرعي.

وتتناقض فكرة التبرعات الإجبارية على أرباب الأسر مع مجانية التعليم التي أقرها الدستور ويمنح الطفل الحق في الدراسة طوال الصفوف الأولى من تعليمه بشكل مجاني من دون تحميل والديه أعباء مادية، غير أن الخطورة في عجز بعض الأهالي عن توفير هذه المبالغ واللجوء إلى تسريب أولادهم من التعليم، وهي الإشكالية التي تسعى الحكومة لعلاجها بشتى الطرق.

بثينة عبدالرؤوف: التبرعات الإجبارية للمدارس تضرب مجانية التعليم في مقتل
بثينة عبدالرؤوف: التبرعات الإجبارية للمدارس تضرب مجانية التعليم في مقتل

وتلجأ بعض الأسر إلى الاستدانة من الأصدقاء والجيران لتلبية احتياجات المدرسة عند تقديم أولادها لأول مرة، ما يضاعف الضغوط المعيشية عليهم في ظل اشتراط شريحة من المدارس طلب مبالغ كبيرة تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه (نحو مئتي دولار)، وهو رقم ضخم للأسر التي يكاد يصل دخلها الشهري إلى ثلث هذا الرقم، وفقا لطبيعة العمل الذي يمتهنونه.

المعضلة أن النسبة الأكبر من أرباب الأسر توجه غضبها إلى الحكومة لاعتقادهم أنها تسعى إلى تخفيض عدد الملتحقين بالمدارس لتوفير النفقات، وهو ما يتنافى مع سعيها إلى تقديم تسهيلات وإغراءات للأسر البسيطة التي تتمسك بتعليم أولادها لدرجة أنها اشترطت تقديم الإعانات الشهرية في مشروع “تكافل وكرامة”، و”المرأة المعيلة”، بأن يكون كل الأولاد من المنتظمين في الحقل التعليمي.

وكشف مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم لـ”العرب” أن “الوزارة تعلم بوجود تبرعات إجبارية يتم فرضها على الأسر ولا تستطيع إثباتها والتحقق منها كتابة، لأن الكثير من الأهالي لا يبادرون بالشكوى رسميا خوفا على مستقبل أولادهم التعليمي، ويتطلب الأمر حملة توعوية واسعة تعرف الناس بطريقة الحفاظ على حقوقهم وعدم الاستسلام لضغوط المدارس.

ولفت المسؤول إلى أن الجزء الأكبر من الأموال التي يدفعها الأهالي للمدرسة، لا يتم إثباته، وهذه مشكلة معقدة تفرض على ولي الأمر أن يشارك في منعها بالإبلاغ عنها، أو إثباتها بأي طريقة لأن غياب المساءلة والتصرفات الإيجابية من أرباب الأسر، يحوّل الفعل الفردي إلى ظاهرة، تشوه صورة الحكومة، وتؤثر على نزاهة التعليم.

وتكمن أزمة الكثير من المدارس الحكومية في أنها تلعب على وتر ارتفاع المصروفات بالمدارس الخاصة لأرقام فلكية ولا تستطيع أغلب الأسر البسيطة الوفاء بالتزامات أولادها، ولن يكون أمامها سوى المدرسة المجانية لذلك تفرض التبرعات الإجبارية وهي على قناعة بأن كل أب سيدفعها ولن يتنصل منها، وهي ثقافة يصعب مواجهتها بسهولة.

وحاولت وزارة التعليم تحجيم ظاهرة التبرعات في المدارس بجعل التقديم للأطفال الجدد إلكترونيا، بحيث يتم تقليل التدخلات البشرية في الأمر، لكن عند الذهاب بالأوراق الرسمية الخاصة بالطفل يتم فرض التبرع، ما يعني أن ما يحدث يبدو من نوعية التصرفات البعيدة عن رقابة الحكومة التي فعلت كل شيء تقريبا للقضاء على هذه التصرفات السلبية دون جدوى.

ويتم توزيع جزء من المبالغ التي يتم جمعها من أولياء الأمور على كبار المسؤولين داخل المدرسة، وهؤلاء ينظرون إلى موسم التقديم للأطفال الجدد كنوع من الاستثمار الخفي الذي يصعب إثباته والتحقق منه حتى صار هذا الموعد من كل عام عبئا كبيرا على الأسر البسيطة لأن باقي العائلات تلحق أولادها بالمدارس الخاصة والدولية وتستطيع توفير مصروفاتها.

وأشارت بثينة عبدالرؤوف الباحثة بمعهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة إلى أن التبرعات الإجبارية على الأسر البسيطة تزيد نسبة التسرب التعليمي، وتضاعف الضغوط الاقتصادية على الأهالي بشكل جعل التعليم عموما، أكبر مصدر للإنفاق عند الأسرة المصرية، ما يتطلب حزمة من القرارات التي تجعل الناس يتعاملون مع التعليم كهدف سهل وليس سببا للإزعاج.

وأوضحت لـ”العرب” أن “التبرعات تضرب مجانية التعليم في مقتل، والمشكلة أن الحكومة لا تستفيد منها، بل تحولت إلى استثمار غير قانوني يتم التغطية عليه جراء خوف الأسر من الإبلاغ عن المسؤول الذي يتلقى التبرع في الخفاء، والمعضلة أنه لا يتم إبلاغ الرأي العام لمحاسبة أي مدير مدرسة يرتكب هذا الفعل المجرم قانونا، ولو حدث ذلك لما تجرأ أيا منهم على قهر الأب بمبالغ تفوق إنفاق الأسرة”.

21