التبرعات الخيرية رأس مال استثماري للمجتمعات وقت الأزمات

متطلبات مكافحة الوباء تتجاوز قدرة حتى أكثر المتبرعين ثراء في القطاع الخاص.
السبت 2020/03/28
العمل الخيري لا يجب أن يكون موضة

رغم ما يثيره الاعتماد على تبرعات رجال الأعمال خلال الأزمات من جدل فإن المجتمعات، سواء كانت عربية أو غير عربية، تنتظر الأخبار بشأنها وتقيّمها بسبب ما اصطلح على تسميته بـ”المسؤولية التطوعية الخيرية لرجال الأعمال”.

لندن - تصدرت سيدة الأعمال السعودية مريم المطيري المشهد في السعودية، بعد تقديمها مبادرات فردية للجهات الرسمية لمواجهة فايروس كورونا.

وأطلقت المطيري 3 مبادرات، تعتمد المبادرة الأولى على توزيع معقمات وقفازات وقاية وكمامات على رجال الأمن المنتشرين في الطرقات.

وخصصت المطيري في الثانية سيارات شركتها لتوصيل الطلبات من الصيدليات إلى منازل المواطنين مجانًا حتى انتهاء فترة حظر التجوال.

وأما المبادرة الثالثة فهي عبارة عن مبنى تبرعت به لوزارة الصحة مع استعدادها لتجهيزه بـ30 سريرا طبيا.

وقدم عدد من رجال وسيدات الأعمال في السعودية، خلال الفترة القليلة الماضية، مبادرات تستهدف دعم جهود الحكومة الرسمية بالفعل، مثل تخصيص أبنية كاملة لصالح وزارة الصحة كي تستخدمها في العزل الصحي، أو تأجيل مستحقات إيجار المنازل بعد أن توقف الكثير من السعوديين والوافدين الأجانب عن العمل، إلى جانب توزيع سلال غذائية على المحتاجين.

يأخذ رجال الأعمال في بعض المجتمعات على عاتقهم واجبًا إنسانيًا أصطلح على تسميته بالمسؤولية التطوعية الخيرية لرجال الأعمال، حيث يشكل مجموعة من الالتزامات لصالح المجتمع عامة.

يذكر أن رجال الأعمال يُعتبَرون أكبر الخاسرين جرّاء أزمة فايروس كورونا ورغم ذلك سارع الكثير منهم إلى التبرع.

إجبار على التطوع

الالتزام الأخلاقي ينقذ الجميع
الالتزام الأخلاقي ينقذ الجميع

وفي تونس رغم أن هناك رجال أعمال تطوّعوا للتبرع، أكد وزير أملاك الدولة التونسي غازي الشواشي الأربعاء أن الدولة “قد تضطر إلى إجبار رجال الأعمال على التبرع”، لأن “التبرعات لم تبلغ الآمال المطلوبة”.

وأكد الوزير أن الاقتصاد التونسي يمرّ بصعوبات بسبب فايروس كورونا، داعيًا إلى المزيد من التبرع لصندوق 1818 لمجابهة جائحة كورونا، وأضاف “التبرعات لم تبلغ الآمال المطلوبة، و27 مليارا لن تسدد دين مستشفى واحد”. وقال الشواشي إنّ هناك شركات يمكنها التبرّع للدولة، كما أنّ رجال الأعمال يجب أن يساعدوا الدولة من خلال التبرعات بصفة طوعيّة قبل أن تجبرهم الدولة على القيام بذلك.

وأكد أن الدولة لديها الوسائل القانونية لتطبيق هذه التدابير. وتؤكد تصريحات الوزير اعتماد المجتمع التونسي في هذه الأزمة على تبرعات الأغنياء المحسنين”.

ويقول رئيس منظمة الأعراف كنفدرالية المؤسسات المواطنة (كونكت)، طارق الشريف إن “الجباية مرتفعة بتونس بنسب غير مقبولة تناهز الـ35 بالمئة (…) تونس لم تعد بلدا منافسا مقارنة بعديد البلدان”.

من جانبه، رفض رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، الخميس “شيطنة” رجال الأعمال. وأكد أن تونس في حاجة إلى رجال الأعمال، وسيتم التعويل عليهم في المستقبل بعد مرور الأزمة من أجل الاستثمار الخاص وتدارك نتائج أزمة فايروس كورونا، وخاصة أن الوضع سيصبح صعبا.

ودعا الفخفاخ رجال الأعمال إلى ضرورة الوقوف إلى جانب تونس وتقديم المزيد من الدعم.

ولا يعتبر المجتمع التونسي استثناء إذ تزايد الاهتمام على المستوى العالمي بالدور الذي يلعبه رجال الأعمال في العمل التطوعي الخيري من منطلق رغبتهم في المشاركة والانخراط في تحمّل المسؤولية الاجتماعية المشتركة.

بيل غيتس: لسنا مستعدين للوباء المقبل، لكن يمكننا أن نكون مستعدين لو تخيلنا فقط أننا نستعد للحرب
بيل غيتس: لسنا مستعدين للوباء المقبل، لكن يمكننا أن نكون مستعدين لو تخيلنا فقط أننا نستعد للحرب

وقد أثبتت التجارب أن الحكومات لا تستطيع القيام بكل المسؤوليات الاجتماعية في مَرافق مثل الصحة والتعليم والأمن القومي وإقامة المشاريع الاستثمارية بمفردها، ولذا فإن المجتمعات بدأت تتطلع إلى مساهمة رجال الأعمال خاصة في ردم الهوة الاجتماعية والقضاء على الفقر الذي يزيد خصوصا عند الأزمات.

ومن الناحية النظرية، يمكن تصور وجود مجتمع متفاوت طبقيّا ولكنه خال من الفقر المدقع.

ويقول ريتو فولمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة سانت غالن، “إذا كنت تشعر بأن ما تؤديه للمجتمع أكثر مما تحصل عليه، عندئذ يكون الوضع سيئا”، بمعنى أنه قد يؤدي إلى توترات اجتماعية.

ولا يؤثر عدم المساواة الاجتماعية على الاستقرار السياسي فحسب بفتحه الباب أمام تزايد نفوذ دائرة صغيرة وإنما يؤثر أيضا على النمو الاقتصادي، إذ أن اتساع الهوّة الاجتماعية يؤثر على إرادة الأفراد واستعدادهم للمخاطرة.

ووفق دراسة أجراها صندوق النقد الدولي، إذا زاد الأغنياء ثراء انعكس ذلك سلبيا على الناتج المحلي الإجمالي، كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من الآثار السلبية لعدم المساواة الاجتماعية على فرص نمو الاقتصاد الكلي.

وفي مصر، خلف إعلان عزيز أخنوش عن تبرعه بـ100 مليون دولار لفائدة صندوق محاربة فايروس كورونا، صدى عالميا بعدما تصدر ترتيب كافة رجال الأعمال عبر العالم في حجم التبرعات.

وفي موريتانيا، قال الموريتانيون إن رجال الأعمال لا يعرفون من التبرعات سوى تلك التي تذهب إلى جيوب الساسة لأنهم سيلقون مقابلها أضعافا مضاعفة.

لقد أكدت النظريات الاقتصادية أنه يجب على رجال الأعمال أن يكونوا ملتزمين أخلاقيا تجاه أفراد مجتمعاتهم أثناء الأزمات، لأنهم جزء من هذا المجتمع، وليسوا كيانا مستقلا منفصلا عنه “إذ تكمن أسباب وجود واستمرار رجال الأعمال في المجتمع، الذي هو مصدر عوامل الإنتاج، بما فيها الموارد الطبيعية والعمالة والخدمات اللازمة، وهو في الوقت نفسه المستوعب لمنتجات تلك الأنشطة من السلع والخدمات”.

وقد قدّمت الحكومات كل التسهيلات لرجال الأعمال ومكّنتهم وسهّلت لهم استغلال وسائل الإنتاج الاجتماعية، التي تعينهم على تحقيق أهدافهم الاقتصادية وتحقيقهم العوائد المجزية، وهي تتوقع منهم في المقابل أن يمدوا يد العون وقت الأزمات فقط.

وقد تطور مفهوم المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال خلال العقود الماضية ولم يعد محصورا في العمل الخيري فقط، بل توسع ليشمل أمورا أكثر وأوسع.

ففي أواخر القرن الماضي أطلقت الأمم المتحدة مبادرة بشأن المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال وحددت فكرة المشاركة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق تنمية المجتمعات. وقد عرّف البنك الدولي المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال بأنها التزام أصحاب النشاطات التجارية بالمشاركة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي لتحسين ظروف معيشة الناس بأسلوب يخدم الاقتصاد والتنمية في آن واحد.

كما عرّفت الغرفة التجارية العالمية المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال بأنها جميع المحاولات التي تسهم في تطوعهم لتحقيق تنمية أخلاقية واجتماعية. وعليه فإن المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال هي مسؤولية إرادية ترتبط بالحقوق والواجبات للتعامل مع الاحتياجات والمشاكل الاجتماعية.

استعداد للحرب

الحكومات لا تستطيع القيام بكل المسؤوليات الاجتماعية
الحكومات لا تستطيع القيام بكل المسؤوليات الاجتماعية

من المؤكد أن التمويل الخاص للصحة العامة العالمية أمر بالغ الأهمية. لكن متطلبات مكافحة الوباء تتجاوز بكثير قدرة حتى أكثر المتبرعين ثراء في القطاع الخاص.

وتقدم لنا جائحة فايروس كورونا حاجة فورية للاستجابة، وتُذكّر الدول بأهمية الاستثمار حتى نتجنب الكوارث التي بإمكاننا التوقّي منها في المستقبل.

وتقدر منظمة “كانديد”، التي تسعى إلى جعل الأعمال الخيرية أكثر شفافية، أنه وقع إنفاق 1.9 مليار دولار على الإغاثة من فايروس كورونا من قبل هيئات خاصة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن للأعمال الخيرية الكبرى دورا مهما، إذ تتمثل وظيفتها المميزة والأساسية في أن تكون بمثابة رأس مال استثماري للمجتمع، وتوجيه الموارد لتمويل البحوث واكتشاف حلول للمشاكل الاجتماعية التي تعجز السوق والحكومة عن الوصول إليها.

وكان الملياردير الأميركي بيل غيتس قد أطلق، حين اعتلى مسرح مؤتمر “تيد” عام 2015، تحذيرا صارما للعالم قائلا “لسنا مستعدين للوباء المقبل”. وأضاف “لكن يمكننا أن نكون مستعدين لو تخيلنا فقط أننا نستعد للحرب من خلال إنشاء احتياطات، وإدارة محاكاة للمناورة الجرثومية، والاستثمار بكثافة في البحث والتطوير”، ثم ختم غيتس بأن العنصر الأساسي يتمثل في دعم نظام قوي للصحة العامة.

 في الواقع، كان غيتس الذي تعهد الشهر الماضي بتقديم ما يصل إلى 100 مليون دولار لمكافحة فايروس كورونا، يفكر في البنية التحتية الصحية العامة الهشة وضعيفة التمويل في البلدان الفقيرة.

يُذكر أن الصحة العامة العالمية لطالما كانت أحد الأهداف الرئيسية لأعمال غيتس الخيرية.

وفي أبريل 2018، التقى غيتس بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لحثه على اتباع الرؤساء السابقين وتعزيز البنية التحتية من أجل التصدّي للوباء في الولايات المتحدة.

وبدلا من تعزيز هذه المبادرات أو حتى الحفاظ عليها، قام ترامب بحل مديرية مجلس الأمن القومي للأمن الصحي العالمي والدفاع البيولوجي.

تعميم الفائدة

في الواقع، إن الميزة الفريدة للأعمال الخيرية هي دورها في تحسين النتائج على المدى الطويل، وتقديم نجاحاتها للحكومة لتعم الفائدةُ جميعَ المواطنين.

ولا يشكل العمل الخيري توقعا للفشل في توفير الخدمات الأساسية والسلع العامة؛ فالصحة العامة هي سلعة عامة نموذجية.

وينبغي عدم الاعتماد أبدا على نزوات المتبرعين الأثرياء، حيث يسيطر الأثرياء على الصحة الجماعية ورفاهية المجتمعات بشكل متزايد. ومن شأن هذا الأمر أن يجعل مصير المجتمعات بين أيدي الأثرياء.

أما بيتر بافيت الذي قضى أغلب حياته في تأليف الموسيقى التصويرية للأفلام والإعلانات وبرامج التلفزيون، ولم يكن له أي اتصال بعالم الأعمال الخيرية التي تقوم بها الطبقة الأكثر ثراء، حتى قرر والده الملياردير وارين بافيت “ردّ الجميل للمجتمع”، فيرى أنه كلما ازداد عدد الناس الذين تدمر الأنظمة الحاكمة حياتهم، صار ترديد عبارات مثل “ردّ الجميل” أكثر بطولية، لأن ذلك يساعد الأثرياء على إراحة ضمائرهم من كونهم يكدسون أموالا أكثر ممّا قد يحتاج إليه أي شخص في حياته.

ويلمّح بافيت في تحليله للظاهرة إلى أن العمل الخيري أصبح “موضة”، وهذا لا يساعد على تعديل النظام الطبقي القائم على عدم المساواة، بل يساعد الأغنياء على أن يناموا راضين عن أنفسهم.

ففي كل مرة يشعر أحد هؤلاء الأغنياء بالرضا عن نفسه لقيامه بعمل خيري، يزداد تضييق النظام الاجتماعي على شخص آخر، وهذا النظام لن يسمح لهذا الشخص بأي فرصة في حياة أفضل، أو أن يعيش حياة سعيدة يحقق من خلالها أهدافه.

20