التبرع بالأعضاء في المغرب جدل يجيب عليه الدين والقانون

عرف المغرب في السنوات الأخيرة حملة توعوية للتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية في حالة الموت الدماغي، وتقرر جعل 17 أكتوبر من كل سنة (اليوم العالمي للتبرع)، مناسبة وطنية لمواصلة التعبئة الاجتماعية والمدنية في هذا الخصوص.
الخميس 2016/11/03
الكفاءات الطبية المغربية على استعداد دائم

نظم المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، الأربعاء 19 أكتوبر 2016، يوما دراسيا أطره أطباء ورجال الدين والقانون حول أهمية التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية، مؤكدين أهمية التنسيق بين الهيئات القضائية والأمنية مع المركز الاستشفائي الجامعي، وقد وصف المشاركون هذا النقاش بالجاد والمثمر.

وأكد البروفيسور الصقلي الحسيني طارق، رئيس مصلحة طب الكلى بالمستشفى الجامعي الحسن الثاني، أن المشاركين في المائدة المستديرة حول التبرع بالأعضاء، أوصوا بالتعاون بين جميع المتدخلين سواء على المستوى الطبي أو القانوني أو الديني والتنسيق بينهم لتسهيل عملية التبرع.

وأضاف الصقلي في تصريح لـ”العرب” أن تبسيط العملية كان ضرورة ملحة، إذ أنه لأجل التسجيل في سجل التبرع بالأعضاء في المحكمة الابتدائية سيتم إلغاء تصحيح الإمضاء الذي يأخذ وقتا كبيرا والاكتفاء فقط بإمضاء المعنيين أمام القاضي، لا سيما في حالات الموت الدماغي التي تتطلب الإسراع في عملية نقل العضو المتبرع به خصوصا الكبد التي لا يمكن أن تتجاوز 24 ساعة.

وبخصوص موقف الدين من التبرع بالأعضاء خصوصا الكلى قال محمد بن موسى الأستاذ الباحث في الدراسات الإسلامية وعضو اللجنة الأخلاقية للمركز الاستشفائي الحسن الثاني، إن عملية زرع الكلى تتم بالتبرع في إطار الاجتهاد المبني على قواعد ومقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة على حياة الإنسان، إذ لا يجوز بيع أو شراء عضو من أعضاء الإنسان، لكن التبرع بالأعضاء أجازه العلماء.

وعن الدور المنوط باللجنة الأخلاقية بالمستشفى، قال الأستاذ بن موسى، في تصريح لـ”العرب”، “إنه دور التوعية بالقيمة الدينية والإيمانية للتبرع والجزاء الأوفر للمتبرع أو الأهل، ثم إقناع بعض أولياء الموتى سريريا، في جلسة أو اثنتين بأن تبرعهم بأحد الأعضاء هو صدقة جارية تحتسب له بعد موته”.

وشهد العام 2010 إنجاز أول عملية لزرع الأعضاء بالمغرب من مانحين ماتوا دماغيا بموافقة عائلاتهم، وذلك بالمستشفى الجامعي بالدار البيضاء، قبل أن تعمم بالمستشفيات الجامعية الأخرى.

وأكد البروفيسور الصقلي لـ”العرب”، أنه عندما يكون المتبرع حيا وسيتبرع لمتلق من عائلته يكون لدينا متسع من الوقت لإعداد الملف، بحيث تكون عدة زيارات للمستشفى من طرف المتبرع والمتلقي، وعند الانتهاء من الملف نقدمه للمحكمة الابتدائية للتأكد من صلة القرابة وعدم وجود أي نوع من الضغوطات المعنوية والمادية، وتطرح المحكمة الملف على طبيبين مستقلين من خارج المستشفى الجامعي للتأكد من سلامة الملف وعندها ترخص المحكمة لإجراء عملية نقل العضو المتبرع به.

23 عملية زرع كلى تم إجراؤها منذ 2010 إلى الآن أغلبها من متبرعين أحياء

أما في حالة المتبرع الميت دماغيا فيتطلب من جميع التخصصات مداومة على مدار الساعة وفي أي لحظة يمكن القيام بعملية زرع العضو، أما من الجانب القضائي فيقوم وكيل الملك بالمحكمة ببعث أشخاص من طرفه للتأكد من الموت وسلامة الملف ويعبرون عن تجاوبهم، بحسب البروفيسور الصقلي.

ورغم تأخر تقنين زراعة الأعضاء والأنسجة بالمغرب فقد وضعت وزارة الصحة ترسانة قانونية تؤطر بصرامة منظومة التبرع لرفع كل التباس أو غموض والحيلولة دون الإساءة لأخلاقيات المهنة وصيانة حقوق المتبرعين والمنتفعين.

وبخصوص ضعف إقبال المغاربة على التبرع بالأعضاء والأنسجة رغم أن المغرب كان سباقا في هذا المجال على المستوى المغاربي، أكد الصقلي الحسيني، أن هناك أسبابا متعددة منها التقصير الإعلامي الذي لم يول أهمية كافية للجانب التوعوي لنشر ثقافة التبرع بين المواطنين، إضافة إلى عدم القضاء تماما على الانطباع السيء لدى المواطن المغربي عن التبرع وتشكيكه بالعملية.

وأشار الصقلي إلى أن “المجتمع المغربي بدأ يغير نظرته إلى هذا الأمر بمطالبته بالشفافية والوضوح، ونحن نتجاوب بإيجابية، فلائحة الانتظار للمتلقين للأعضاء المتبرع بها نتعامل معها بشفافية مطلقة وتتوفر فيها جميع المعايير ومنها مدة الانتظار والتوافق بين الأنسجة وفصيلة الدم والتقارب في العمر وغياب موانع زرع الأعضاء كالأمراض الخطيرة والمتنقلة”.

وفي ما يخص تجاوب المواطنين قال عضو اللجنة الأخلاقية للمركز الاستشفائي بفاس، لـ”العرب”، إن “هناك نوعا من الغوغائية والضبابية في ما يخص هذا الأمر تتعلق بالبيع والتجارة في الأعضاء وبأن هناك مجموعة من المفاهيم يجب تصحيحها”.

وأكد في ذات السياق أن التعاليم الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان والأحكام الفقهية الاجتهادية هي بنت بيئتها، وقضية التبرع من النوازل الجديدة ولدينا من القواعد والنصوص ما يجيب عليها.

وأظهرت دراسة أنجزها المجلس الاستشاري لزرع الأعضاء والأنسجة، بشراكة مع وزارة الصحة والوكالة البيولوجية الفرنسية، أن احتياجات زرع الكلى بالمغرب تناهز 7410 من المرضى يقومون بتصفية الدم، وهم بحاجة إلى عملية زرع الكلى.

وفي أحدث الأرقام حول زراعة الأعضاء في المغرب، كشفت وزارة الصحة في شهر أكتوبر الماضي، أنه تم إجراء 460 عملية زراعة للكلى في المغرب، 220 منها تم إنجازها في الفترة الممتدة بين 2010 و2015، وبلغ مجموع عمليات زراعة الكبد 13 عملية منذ بداية زرعها عام 2014 في المغرب، بالإضافة إلى زراعة قلب واحد.

وعلى مستوى المستشفى الجامعي بفاس أكدت إدارة المركب الاستشفائي، أنه تم إجراء 23 عملية زرع كلى منذ 2010 إلى الآن أغلبها من متبرعين أحياء في هذه السنة ثم عملية زرع كبد واحدة بطاقم طبي مغربي مئة في المئة وأكثر من 50 عملية زرع قرنية التي تعتبر من الأنسجة.

وأكد البروفيسور الصقلي أن من إيجابيات زراعة الكلى أن تكلفتها أرخص وأن أمد الحياة بعد العملية يكون أطول مقارنة بعملية تصفية الدم التي يقوم بها المريض ثلاث مرات أسبوعيا، موضحا أن قيمة غسل الكلى 850 درهما/85 دولارا للحصة مضروبة في 156 حصة في السنة وهي تكلفة باهظة، مقارنة بتكلفة عملية زرع الكلى.

وأشارت وزارة الصحة إلى أن كل العمليات تتم تغطية تكاليفها عن طريق نظام التغطية الصحية الأساسية، كما أن كل عمليات زرع الأعضاء، التي أنجزتها المستشفيات الجامعية، استفاد منها مرضى مسجلون في نظام المساعدة الطبية راميد.

17