التبريرات الاجتماعية تزيد قسوة وضرر العنف المنزلي

أكثر من اثنتي عشرة دولة لا تجرم العنف المنزلي، والعنف ضد المرأة تبقى من أحد أكثر أشكال انتهاكات حقوق الإنسان انتشارا في العالم.
الاثنين 2019/05/27
جريمة لا تشبه غيرها من الجرائم

لندن - تصنف عدة دول العنف المنزلي في خانة الجرائم وعيا منها بخطورته وضرورة وضع الأساليب المناسبة لمحاربته، وتصدر في قضايا العنف المنزلي عقوبات تختلف شدتها بحسب درجة الضرر الذي حدث للضحية. لكن العنف ضد الزوجات أو أحد أفراد الأسرة يعد أمرا مسموحا به في دول أخرى في ظل غياب القوانين التي تجرم العنف المنزلي في أكثر من اثنتي عشرة دولة في العالم.

ويقول خبراء وأطباء إن العنف يكون صعب التحمل وأمرا غير مقبول لأن المنازل من المفترض أنها مناطق يتوفر فيه الأمن والراحة. ويؤكد هؤلاء أن أضرار العنف النفسية تكون أكبر عندما يصدر عن شخص تعرفه أو عن شخص يدعي أنه يحبك. وغالبا ما تكون آثار هذا العنف مخفية عن المقربين للضحية. وفي مناسبات عديدة، يبقى العنف الجسدي أقل ضررا من العنف العاطفي واللفظي.

وتملي الثقافة الأميركية حق الأطفال في الترعرع بين أب وأم، وأن العلاقة الطويلة هي هدف الإنسان النهائي، وأن الأسرة هي حجر المجتمع الأساسي، وأن البقاء والعمل على حل “مشكلات” الفرد وراء الأبواب المغلقة أفضل من ترك الأطفال أو تربيتهم من قبل أم عزباء. وتأتي هذه المفاهيم كما لو أن العائلة التي يتعرض أفرادها للعنف سليمة.

وتوجد نفس المفاهيم في مجتمعات أخرى. ولكنها لا تناقش كما يجب عندما يتجادل السياسيون حول إعادة تفويض قانون العنف ضد المرأة، ولا تنال الجمعيات والمنظمات المناهضة لهذه الممارسات حقها في التمويل إذ يراها البعض عائقا يعطل الميزانية الفيدرالية ويثقلها.

وذكرت تقارير منظمة الصحة العالمية أن النساء المعنفات يحتجن إلى خدمات رعاية صحية بكلفة أعلى مما تتطلبه رعاية النساء الأخريات. كما يعاني بعض الضحايا من العزلة وعدم القدرة على العمل والاعتناء بأنفسهن وأطفالهن. كما يتلقى هؤلاء إشارات تدعوهن إلى البقاء مع المعتدين عليهن. وتكون هذه الإشارات مرئية أكثر عندما يضعهن نظام المحاكم والقضاء في موقف دفاعي، ويطلب منهن مواجهة أشخاص ربما حاولوا قتلهن، والذين قد يقتلونهن في المرة القادمة التي يرونهن فيها إذا تسنت الفرصة.

في مناسبات عديدة يبقى الضرر الجسدي الناتج عن العنف المنزلي أقل ضررا من الضرر العاطفي واللفظي

ولا يقضي المعتدون في بعض الحالات سوى بضعة أيام في السجن. ويتعامل تطبيق القانون مع بعض قضايا العنف المنزلي على أنها “خلاف داخلي”، وليست مدرجة ضمن العمل الإجرامي.

ويحاول العديد من الضحايا المغادرة تدريجيا دون أن يثيروا انتباه الشخص العنيف، ويبذلون قصارى جهدهم للفرار من البيئات الوحشية التي يعيشون فيها. وفي الكثير من الحالات يخطئ الذين يرون أن الضحية هي التي تختار البقاء مع المعتدي، ولا يتفطنون إلى الضحية التي تحاول الابتعاد ببطء.

ولم تعترف عدة مجتمعات بطبيعة العنف المنزلي الإجرامية في معظم تاريخ البشرية. وفي الكثير من الأحيان يُعتقَد أن الزوجات المعنفات هن اللاتي أثرن غضب أزواجهن. ويظهر هذا الاعتقاد في قرون من الأدبيات التي تصور العنف المنزلي وغالبا ما تبرره بالمعايير الاجتماعية والمحرّمات.

وفي تلك الحالات النادرة عندما تصل قضية عنف عائلي إلى قاعة المحكمة، كانت الأحكام تميل إلى صف الرجل طالما أن إصابات الزوجة لم تكن دائمة.

وحاليا، يعتبر العنف ضد الزوجات أو أحد أفراد الأسرة مسموحا به مع غياب القوانين التي تجرم العنف المنزلي في أكثر من اثنتي عشرة دولة في العالم. وتشمل هذه الدول مصر وهايتي ولاتفيا وأوزبكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغيرها. كما ألغت روسيا تجريم أي عنف منزلي لا يؤدي إلى إصابات جسدية في عام 2017.

وتعرّف الأمم المتحدة العنف الممارس ضد المرأة بأنه أي فعل عنيف يترتب عليه أذاها أو معاناتها، سواء من الناحية الجسدية أو الجنسية أو النفسية، وسواء حدث ذلك في الحياة العامة أو في الحياة الخاصة.

ويمارس ضغط على النساء من خلال نظام معين في العديد من المجتمعات، من بينها الولايات المتحدة، بسبب المعتقدات الثقافية الموروثة عن الأسرة، وتبعا لذلك تجد النساء أنفسهن مقيدات في زيجات تطغى عليها أعمال العنف الخطيرة.

وفي عام 1984، أصدر الكونغرس الأميركي قانونا بعد تاريخ طويل من العنف المسجل لمساعدة النساء والأطفال الضحايا. كما أطلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون حملة “اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة” في عام 2008. وتحشد الحملة مختلف فئات المجتمع ومؤسساته ضد العنف من خلال الدعوة إلى إصدار قوانين تجرّمه.

جريمة لا تصنف في خانة الجرائم
جريمة لا تصنف في خانة الجرائم

وبقيت بعض أشكال الاعتداء غير معروفة. ونذكر منها الملاحقة التي ما زالت مشكلة حتى يومنا هذا. كما لا تتفطن المرأة نفسها للعنف النفسي ولا تحاول الهروب منه.

وبالنسبة للكثيرين، أصبحت نيكول براون سيمبسون وجها يمثل ضحايا العنف المنزلي. كانت جميلة وثرية ومشهورة. كانت حوادث العنف التي تعرضت إليها معروفة لدى أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة. وبقي مقتلها في طليعة محادثات أجراها مناهضو العنف لسنوات. وأكدت قضيتها أن العنف المنزلي يمكن أن يحدث في أي مكان ولأي شخص.

وحشدت هذه القضية ضحايا تساءلوا عن سبب تجاهل الأجهزة الأمنية لهذه الحوادث عند الإبلاغ عنها.

ومؤخرا، وللمرة الأولى، أصبحت مختلف المدن والبلدات في جميع أنحاء الولايات المتحدة قادرة على نيل البعض من التمويلات للتصدي للعنف المنزلي في المجتمع. وسمحت هذه الأموال ببعث تدريبات للمنقذين، وإنشاء وظائف لأشخاص يساعدون الضحايا، وتأسيس ملاجئ ومساكن، وبرمجة عدد من الدروس والتدريبات القانونية.

ويعني تدفق الأموال أن الضحايا لم يعودوا مضطرين إلى دفع تكاليف تعافيهم من العنف الذي يسلط ضدهم. وإذا تم إجلاء زوجة اعتدى عليها شريكها، فيمكنها الحصول على تعويضات ومساعدات. كما يمكن أن يجد الضحايا من ذوي الإعاقات الدعم المناسب لحالاتهم.

كما تعمل منظمة الصحة العالمية على الحد من العنف ضد المرأة، وتتعاون مع بعض المنظمات غير الربحية الدولية وتدعمها في إجراء بحوث اجتماعية شاملة تبين خطورة المشكلة ووضع الحلول المناسبة لمواجهتها. كما تنشر الوعي بحقوق المرأة حسب ما ينص عليه دستور كل بلد.

وفقا لمجلة الصحة وحقوق الإنسان، تبقى قضية العنف ضد المرأة في مجالات الحياة العامة والخاصة أحد أكثر أشكال انتهاكات حقوق الإنسان انتشارا في العالم.

21