التبرير اشتراك في جريمة الاغتصاب

أول الطريق هو الاعتراف بأننا إزاء ظاهرة خطيرة، لا تعالج إلا بمعالجة أسبابها التي تتمثل في انتشار الفقر والبطالة والتهميش، بالإضافة إلى النظرة الدونية للمرأة.
الثلاثاء 2018/09/04
وقفة واحدة

الجدل الذي أثير في تونس منذ أسابيع حول تكرر ظواهر الاغتصاب، على غرار جريمة منطقة قبلاط في محافظة باجة أو جريمة اغتصاب طفلة الثلاث سنوات في محافظة قفصة، وبصرف النظر عما أثارته الظاهرة من جدل امتد من الاختلاف حول الأسباب المساهمة في تنامي الظاهرة حيث ربطت بعض القراءات الأمر بصدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وصولا إلى السجال الحقوقي حول الموقف من الإعدام، فإن كل ذلك يقتضي أيضا استحضار سؤال أثار بدوره اختلافا عارما في التوصيف وفي قراءة الحدث.

فقد تداعت بعض القراءات لتقلل من خطورة ظاهرة الاغتصاب، انطلاقا من مقارنات مع مجتمعات غربية “متطورة”، للذهاب إلى اعتبار الأمر مجرد تركيز إعلامي أكثر من كونه ظاهرة حقيقية خطيرة جديرة بالبحث والتأمل. صحيح أن التناول الإعلامي (التقليدي أو الجديد والإلكتروني والافتراضي) أصبح اليوم في حلّ من كل رقابة، وأصبح يتيسر له التعاطي مع مختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وصحيح أن هذا التناول الإعلامي أجبر الجهات الرسمية (في أكثر من بلد عربي) على التفاعل مع القضايا التي تثيرها وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأثر الإعلامي لا يخفي وجود تغيرات اجتماعية عميقة تعيشها الأقطار العربية، نتيجة تحولات سياسية واقتصادية جذرية تعيشها في هذه المرحلة.

الاعتراف بكوننا إزاء ظاهرة خطيرة بصدد التنامي، مفيد لبحث سبل التقليل من منسوبها ومحاصرة أسبابها، في حين التذرع بالقول إنها مجرد فرقعات إعلامية غايتها تحويل الأنظار عن قضايا أكثر أهمية، لن يؤدي إلا إلى إهمالها وإدارة الظهر عنها وعن ظواهر أخرى استشرت في سنوات بعد الثورة. مفيد القول هنا إن ظاهرة الاغتصاب تطورت بالتوازي مع ظواهر أخرى، ذات صلة بها أو قريبة منها، مثل ظواهر التحرش والعنف والجريمة وغيرها من الإفرازات الاجتماعية.

تطور ظاهرة الاغتصاب في السنوات الأخيرة، وإن كنا لا نملك أرقاما دقيقة عن الظاهرة، يمكن فهمه بمنطلقين متوازيين: الأول هو تراجع الدولة وضعفها، وهو منطلق سياسي أنتج شيوع ظواهر كثيرة متداخلة، من تواتر الإضرابات إلى تفشي الجريمة، وصولا إلى الإفلات من العقاب. حيث أن الإحساس بغياب الرقيب (سواء كان أسرة أو دولة) يغذي النزعة نحو ارتكاب الجريمة.

أما المنطلق الثاني وهو منطلق فكري فهو تبرير الاغتصاب والتحرش وربطهما بحرية المرأة والاختلاط ونوعية اللباس وغيرها من التبريرات، التي تعفي الجناة من المسؤولية وتحمل الضحايا مسؤولية الجريمة. ولا شك أن هذه التفسيرات التي تستسهل ربط التحرش أو الاغتصاب بحرية المرأة أو بنوعية لباسها، الناتجة عن فكر قاصر أخلاقوي، ترتقي إلى رتبة ارتكاب الجريمة بأن تبحث لها عن تبريرات أو تفسيرات تعفيها من المسؤولية، فضلا عن كونها تهمل الأسباب العميقة للظاهرة.

بالعودة إلى مسألة غياب الأرقام المتصلة بارتفاع ظاهرة الاغتصاب، نشير إلى أن الكثير من جرائم الاغتصاب تذهب طيّ الكتمان وتبقى حبيسة صدور الضحايا، ولا تخرج للعلن خوفا من التبعات الاجتماعية والأخلاقية للتصريح بالتعرض للجريمة، وهو بعد يحيل إلى الأفكار التقليدية المترسبة التي مازالت تحمل الضحية قسطا من المسؤولية (إن لم تكن المسؤولية الكاملة) في التعرض للجريمة، وهو ما دفع العديد من المنظمات إلى حث الضحايا على التكلم والإصداع والتبليغ عن تعرضهن للجريمة، حيث قام مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة في تونس (الكريديف) مثلا بإنشاء ما يشبه المرصد الذي يتيح للنساء التونسيات التبليغ عن تعرضهن للانتهاكات الجنسية بمختلف أشكالها، حتى تلك التي تقع تحت سقف بيت الزوجية. وهو ما مكّن من تكوين قاعدة بيانات تعكس جزءا من حقيقة الظاهرة، تبعا لعدم انخراط كل الضحايا في التبليغ عن الجرائم، وهو ما أتاح أيضا للمنظمة ولغيرها من الفاعلين الاجتماعيين، أن تطرح في العام 2017 مشروع القانون الأساسي للقضاء على العنف ضد المرأة بوصفه منظومة شاملة ومقاربة متكاملة للحد من العنف المسلط ضد النساء، لأن المنظومة القانونية التونسية تفتقر إلى قانون شامل ونظرة متكاملة للتصدي للعنف المسلط ضد المرأة.

الاغتصاب ظاهرة مستشرية، لا تعالج إلا بمعالجة أسبابها التي تتمثل في انتشار الفقر والانحراف، وضعف القوانين المتعلقة بجرائم الاعتداء الجنسي، فضلا عن ثقافة المجتمع التي مازالت تتحرك وفق نظرة دونية للمرأة. الاعتراف بالظاهرة ومواجهتها أكثر عسرا من إدارة الظهر لها أو تبريرها.

12