التبشير بالجمال

الفنانون يقيمون اليوم معارضهم وهم يفكرون بمَن يشتري أعمالهم، إنها فكرة رخيصة صارت مسيطرة إلى درجة باتت تهدّد القداسة التي ينطوي عليها فعل التبشير بالجمال.
الاثنين 2018/10/08
لوحات مالفيتش تسكن المتاحف اليوم وسط نفائس لا يمكن تسعيرها

لا أعتقد أن كازمير مالفيتش كان يفكر في أن أحدا سيشتري لوحته “مربع أبيض على مربع أبيض”، لقد رسمها في لحظة انفصال عن العالم كله، فكيف يمكنه التفكير في أن يكون لها مشتر؟

لست ضليعا في معرفة مصائر اللوحات غير أنني على يقين من أن تلك اللوحة لم يقبل أحد على شرائها في حياة الفنان الروسي، بولندي الأصل. غير أن ما فعلته تلك اللوحة في تاريخ الفن لا يتناسب مع الترويج التجاري لها.

لوحات مالفيتش تسكن المتاحف اليوم وسط نفائس لا يمكن تسعيرها، بالنسبة لي وقد رأيت عددا كبيرا من تلك اللوحات، فإن النظر إليها لا يهبني شعورا بالمتعة البصرية، غير أن عدم شعوري بتلك المتعة لا يقلل من قيمتها التاريخية ومن أهمية ما فعلته على مستوى التحول العظيم الذي شهده الرسم في القرن العشرين.

معها بدأ التجريد الخالص، ذلك النوع الذي لا يجد له سندا في الطبيعة أو في الجسد البشري، ما يعنيني هنا أن رساما فاتحا بحجم مالفيتش لم ينتج لوحاته لكي يعتاش من خلالها، مغامرته الجمالية لا تسمح له بأن يفكر في ما يمكن أن تدره لوحاته عليه من أموال.

كان يمكن أن يموت فقيرا مثلما حدث مع فنسنت وغوغان وايغون شيلا ورامبرانت وغويا وهو راض عمّا فعل، لقد قاتل بروح قوية من أجل ذلك السنتيمتر الذي أضافه إلى تاريخ الرسم، كان ذلك هو هدف حياته، أن يترك شيئا للبشرية تثري به خيالها.

أفكر بنموذج الرسام الفاتح الذي ضحى بحياته من أجل الفن، وأنا أرى الكثرة من رسامينا وهي تحرق فنها في مطابخ الوجبات الجاهزة من أجل إرضاء المشترين، متناسية أن الفن المختلف هو ما يبقى وما يهب البشر نورا يضيء طريقها.

يقيم الفنانون اليوم معارضهم وهم يفكرون بمَن يشتري أعمالهم، إنها فكرة رخيصة صارت مسيطرة إلى درجة باتت تهدّد القداسة التي ينطوي عليها فعل التبشير بالجمال.

16