التبعية الغذائية تحد يهدد مقومات السيادة والأمن القومي العربي

يحظى تحقيق الأمن الغذائي بأهمية قصوى لدى دول العالم، بعد أن أضحى جليا أنّ أيّ تبعية في هذا المجال من شأنها أن تجرّ وراءها أشكالا من الوصاية التي تشمل جل الجوانب الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية، ممّا يجعل من إيلائه الأهمية التي يستحقها، أولوية عربية تضمن مقومات السيادة وتحفظ الأمن القومي للبلدان العربية كافّة.
الاثنين 2015/06/01
حالات الفوضى والحروب التي تشهدها المنطقة العربية تزيد من ارتفاع معدلات الجوع

يطرح كسب رهان تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان في أعقاب ارتفاع النمو الديموغرافي والتغير المناخي تحديات كبرى وضرورة قصوى في ظل الفجوة الغذائية العالمية القائمة، وتزايد الطلب على السلع الغذائية الرئيسية، حيث أنه من المتوقع أن يتجاوز عدد السكان 10 مليار نسمة في عام 2050، فيما من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم العربي إلى 633 مليونا، وفق الإحصائيات السكانية التي أجرتها الأمم المتحدة في عام 2011، فضلا عن ارتفاع متزايد في معدل استهلاك الفرد من الأغذية ذات القيمة المضافة، ممّا يتطلب تحقيق معدلات تنمية ومردود إنتاجي عالي الجودة كما وكيفا، يواكب تحقيق استقلال غذائي مناسب، وحتى لا يتحول الغذاء كسلاح في أيدي الأسواق والاحتكارات الدولية يهدد مقومات السيادة والأمن القومي العربي.

ولرفع هذا التّحدي تقدر منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) مواجهة جملة من التحديات تعتبرها في صميم الحالة الراهنة والمستقبلية للأمن الغذائي العالمي بوجه عام، كما أنّه لا يمكن عزلها عن التحديات الغذائية التي يواجهها العالم العربي بوجه خاص سواء كانت سياسية أو طبيعية أو بشرية أو استراتيجية.

تحديات جمة

تستوجب مواجهة التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي، المرتبطة أساسا بالتقليص من مؤشر الجوع العالمي، وفق منظمة الأغذية والزراعة الدولية جملة من العناصر؛ أوّلها تحقيق زيادة في إنتاج الحبوب والمحاصيل الأخرى من أجل توفير 4،3 مليار طن من الحبوب في عام 2050، فيما لم يتجاوز هذا الرقم مليار طن في عام 1960 وحوالي مليارين في عام 2000. وهو ما يقتضي تضافر الجهود الدولية لتلبية ارتفاع الطلب على السلع الغذائية بشكل متزايد.

أمّا العنصر الثاني فيقتضي تقليص عدد الذين يعانون من نقص التغذية كما وكيفا، بما يناسب توفير السعرات الحرارية الضرورية لتغذية سليمة ومتوازنة.

وما يزال الجوع يهدد أكثر من 800 مليون نسمة من سكان العالم، على الرغم من أن رؤساء الدول المشاركين في القمة العالمية للتغذية المنعقدة في روما عام 1996، تعهدوا آنذاك بتقليص الرقم إلى 400 مليون في عام 2015، وهو ما تم التأكيد عليه من جديد في عام 2000 كأحد أهداف التنمية في الألفية الثالثة، لكن الأزمة الغذائية العالمية الحادة التي بلغت ذروتها بين سنتي 2007 و2008، وازدياد معدل الفقر في المجال القروي، حيث يوجد ثلثي الذين يعانون من سوء التغذية، يوضحان بما لا يدع مجالا للشك أنّ هذا الهدف مازال بعيد المنال وأن نسبة 17 بالمئة من البلدان السائرة في طريق النمو ما زالت تعاني عدم تحقيق الاكتفاء الغذائي وتوفيره بالكمية والنوعية اللازمتين من أجل حياة صحية ونشيطة.

55 بالمئة نسبة الاحتياجات من المواد الغذائية التي يستوردها العالم العربي

و بالمقابل لا تتجاوز المساعدة الغذائية أكثر من 10 ملايين طن سنويا ( أقل من 5 بالمئة من التجارة العالمية في المواد الغذائية)، وهي نسبة قليلة لا يمكن أن تتصدى لسوء التغذية، ممّا يفرض ضرورة رفع الإنتاج لتلبية الحاجيات المتنامية.

أما العنصر الثالث، فيمثل وفق الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (GIEC)، في تقريرها الخامس المنشور في عام 2014، تقييما للجوانب الاجتماعية والاقتصادية لتغير المناخ ومضاعفاته على الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، خاصة الأخطار المتعلقة بالتوزيع وانتظام الإنتاج وكمية الأمطار في المناطق الاستوائية وشبه الصحراوية، حيث تقطن أعداد كبيرة من الفقراء.

علاوة على ذلك، يلاحظ فريق البحث في تغير المناخ أنّ مردود القمح والذرة الذي يستند عليه غذاء الكثيرين، يتقلص عندما ترتفع الحرارة، فضلا عن كون الأرز يتطلب كميات كبيرة من المياه، مما يفرض ضرورة توفير حبوب تقاوم هذه التحديات المناخية وتعميم الري على مساحات واسعة من المناطق الأكثر تعرضا للتقلبات المناخية.

ويهتم العنصر الرابع بالتقليص من التداعيات السلبية للعوامل المحيطة بالقطاع الفلاحي وعصرنته، حيث أنّ تلك العصرنة التي تمّت في بلدان عديدة هي التي أسهمت في ارتفاع المحاصيل الغذائية وتكثيف المحاصيل، بينما محدودية التّوسع في الأراضي الزراعية ما تزال قائمة، فهي لم ترتفع إلاّ بنسبة 13 بالمئة، مما انعكس آثاره سلبا بعد دراسة التداعيات البيئية وتدهور جودة التربة من جراء استعمال المواد الكيميائية والضغط على المخزون الهيدرومائي واستغلال المياه بكثرة بفعل متطلبات الصناعة الزراعية والتحويلية، في قمة ريو دو جانيرو في عام 1992، ممّا طرح على بساط البحث من جديد الوقوف عند الآثار المضرة بالبيئة، وهو الأمر الذي فرض بالتدريج تغيير النماذج المعتمدة في القطاع الفلاحي والتنمية الزراعية.

أمّا التحدي الخامس، فيفرض العناية بالمزارعين والحد من آثار الهجرة الريفية إلى المدن وتنمية الريف، حيث لا يمكن إغفال دور العامل البشري في إشكالية الأمن الغذائي، خاصة وأنّ نسبة المزارعين لا تتعدى 3 بالمئة في البلدان الغنية وتتجاوز 50 بالمئة من سكان البلدان الفقيرة، فضلا عن كونهم معرّضين أكثر من غيرهم للديون والفقر وهشاشة الأوضاع الطبيعية والإنسانية التي تدفعهم سنة بعد أخرى إلى هجرة الأرياف والاستقرار بضواحي المدن في وضع اقتصادي وصحي متدهور.

ويعد ذلك عاملا مهما في تنامي مهددات الأمن وارتفاع حدة التوترات الاجتماعية، ومن ثمة وجبت العناية بهم ودعم القطاع الزراعي وحماية الأراضي الزراعية، فضلا عن توفير الموازنات الملائمة للمؤسسات الخدمية والرفع من أجورهم وتحسين أحوال معيشتهم، تفاديا لاستفحال ظاهرة الهجرة غير المنظمة وتنامي السكن العشوائي في محيط المدن.

الفجوة الغذائية العربية

يرتبط الحديث عن واقع الأمن الغذائي في البلدان العربية وتوفير احتياجات السكان من السلع الغذائية الرئيسية أشدّ الارتباط بموارد الأراضي الزراعية وبالأمن المائي والتحكم في التحول الديموغرافي الذي يفرض نفسه على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

وتصل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في العالم العربي إلى 555 مليون هكتار، بينما لا يستغل منها سوى 13 بالمئة تقريبا، أي ما يعادل نحو 71 مليون هكتار، فضلا عن ضعف الإنتاجية مقارنة بما هو عليه الحال في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بنحو ثلاث مرات إلى أربع مرات في المحاصيل الزراعية، خاصة الحبوب (متوسط الدول العربية: 1600 كغ/هكتار بينما متوسط الدول المتقدمة 5100 كغ/ هكتار).

بالمقابل تستورد البلدان العربية حوالي نصف احتياجاتها من الحبوب و63 بالمئة من الزيوت النباتية و71 بالمئة من السكر، ممّا مثّل حوالي 76 بالمئة من الفجوة الغذائية في السلع الرئيسية في عام 2007 ووصل إلى 81 بالمئة في العام 2014.

الأمر الذي يفرض اللجوء إلى الخارج لاستيرادها بسبب عدم توفير الاكتفاء الغذائي، وبالتالي الوقوع في التبعية الغذائية للخارج في ظل التفاوت بين الطلب على السلع الزراعية والإنتاج الزراعي منها، إذ لا يخفى أن العالم العربي ما يزال يستورد نحو 55 بالمئة من احتياجاته من المواد الغذائية. وقد أضحى جليا أنّ هنالك تحولا ديموغرافيا كبيرا في المنطقة العربية، يفرض التحكم في معدلات النمو والخصوبة البشرية، خاصة وأن مجمل الدول العربية تعاني من العجز في الميزان التجاري الخاص بالغذاء وارتفاع فاتورة الاستيراد من السلع الغذائية، وذلك يظهر أكثر من خلال الارتفاع الكبير في حجم السكان الذين هم في سنّ العمل (15 ـ 64 عاما) وحاجياتهم المتزايدة من السلع الغذائية المتنوعة، مما يفرض اهتماما كبيرا بتوفير فرص جديدة للعمل تسهم في مواجهة البطالة والفقر، فضلا عن نشر الثقافة الغذائية وسياسات متخصصة في الغذاء الصحي وتدبير الميزانية الأسرية، ناهيك عن الاعتماد على الذات في توفير احتياجاتها من السلع الغذائية.

ووفق دراسة حول التحديات التنموية العربية، أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2011، ستزداد نسبة السكان العرب الذين هم في سن العمل من 62.45 بالمئة في عام 2010، إلى حوالي 66 بالمئة في سنة 2040، ممّا يؤشر على تحديات كبيرة تقضي بضرورة الرفع من المخزونات الإستراتيجية لتوفير الغذاء، وذلك توخيا لعدم وقوع تداعيات كبيرة في مجال نقص الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعارها نتيجة لنمو عدد السكان وتأثيره الواضح على نسبة الموارد الزراعية والمخزون الغذائي اللازمين للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي خلال العقود القليلة المقبلة، فضلا عن ضمان توفّر الإمدادات الغذائية في حالات الطوارئ وتوزيعها في الأزمات، والحيلولة دون حدوث نقص في المواد الغذائية الرئيسية وارتفاع الأسعار لحماية المستهلك.

إقامة مشروعات مشتركة على مستوى جامعة الدول العربية خطوة من شأنها أن تسهم في تحقيق الأمن الغذائي العربي

ومن التداعيات التي خلفتها أزمة الغذاء العالمية بين عامي 2007-2008، ارتفاع كبير في أسعار الأسواق العالمية بفعل تحرير التجارة وتدني حجم المخزون الاستراتيجي للأغذية ودخول سلعه باب المضاربات المالية، وهو ما نجم عنه عدم قدرة العديد من الدول ذات الدخل المحدود من استيراد إمدادات كافية من الغذاء بفعل أزمة السوق، ووضع العديد من الدول الرئيسية المنتجة لقيود أو حظر على صادراتها من الحبوب، مما أشعل لهيب التوترات واندلاع الكثير من الاضطرابات السياسية والاجتماعية في العديد من البلدان.

وتظل مساهمة العالم العربي في مجال الإنتاجين النباتي والحيواني وكذلك الإنتاج السمكي، حسب المنظمة العربية للتنمية الزراعية، منخفضة ودون تحقيق الاكتفاء الغذائي، حيث بلغ إجمالي إنتاج الحبوب في الوطن العربي عام 2013 حوالي 5،55 مليون طن وإنتاج الزيوت النباتية حوالي 18،2 مليون طن، وبلغ إنتاج السكر المكرر 37،3 مليون طن، في حين بلغ إنتاج اللحوم الحمراء نحو 5 ملايين طن، فيما يقدر المخزون السمكي في الدول العربية بنحو 2،8 مليون طن، منها 7،7 مليون طن في المياه الإقليمية وحوالي 5 ملايين طن في المياه الداخلية.

ويبين تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية أنّ قيمة الفجوة الغذائية العربية انتقلت من 28 مليار دولار في عام 2010 إلى 3،34 مليار دولار في عام 2011 لكي تستقر في حوالي 36،35 مليار دولار في عام 2013، لكن من المتوقع أنّ الوطن العربي “سيواجه فجوة غذائية بنحو 70 مليار دولار عام 2030، في حال لم تُفعّل الاستثمارات العامة والخاصة بما لا يقل عن 5 مليارات دولار سنويا”، حسب الرئيس الفخري للاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربيّة عدنان القصّار، كما يظل حوالي 80 مليون عربي يعانون من نقص في التغذية، وهم يشكلون حوالي 25 بالمئة من سكان الوطن العربي.

وتكمن الفجوة الغذائية في سلع معيّنة، أهمها مجموعة الحبوب التي تساهم بنسبة تبلغ حوالي 62،53 بالمئة من قيمة الفجوة، فيما تساهم اللحوم بنسبة 45،16 بالمئة، والألبان بنحو 51،9 بالمئة، والسكر بنسبة 98،9 بالمئة والزيوت النباتية بنسبة 75،8 بالمئة، حيث تساهم هذه المواد مع مجموعة الحبوب بنسبة 31،97 بالمئة من قيمة الفجوة الغذائية العربية الإجمالية.

عدنان القصار: الوطن العربي يمكن أن يواجه فجوة غذائية بنحو 70 مليار دولار عام 2030

الحلول المتاحة

يُبين استقصاء واقع الأرقام المتعلقة بالأمن الغذائي العربي الحاجة الملحة إلى إيجاد توازن كمي وكيفي يحفظ الأمن الغذائي العربي من مهدداته والأخطار المحدقة به، فضلا عن إعداد استراتيجيات غذائية في ظل سياسات دولية احتكارية وصناعية غير صحية وغير معقلنة. وهو الأمر الذي يوجه نحو العناية بالتعاون الإقليمي والوطني والقومي، بما يمنح فرصة الحد من الخلل والتشتت الكبير الحاصل في الموارد المائية والطبيعية والبشرية والمالية، سعيا لتحقيق مبدأ التدبير الأمثل والموحد لجميع مراحل الإنتاج والتسويق من خلال بنك عربي يرعى المشروعات الفلاحية وبنك عربي للمعلومات خاص باستصلاح الأراضي الزراعية وتمويل التطوير التقني والعلمي الخاص بحساب التوقعات الخاصة بالأحوال الجوية والحد من آثار موجات الجفاف.

بالإضافة إلى مواجهة التطورات والتحديات العالمية الحالية والمتوقعة، التي تفرض الحد من اعتماد استيراد الغذاء مستقبلا، ما دام تحقيق الأمن الغذائي أصبح سيفا تستعمله الدول الكبرى للتحكم في رقاب الدول التي لا تملك قوت يومها كلما دعت ضرورة إلى استغلال ذلك. ومن ثمة، فإنّ معالجة السياسات التنموية والزراعية والمائية والحفاظ على الموارد الطبيعية وتطوير الثروة الحيوانية وتنمية صناعة البذور تساعد على كسر الاحتكار الذي تمارسه الشركات العملاقة على المنطقة العربية، وتجعل من القطاع الفلاحي العربي رهانا استراتيجيا لكسب معالم القوة والمناعة وحماية مقومات السيادة في الألفية الثالثة.

كما أنّ إقامة مشروعات مشتركة على مستوى جامعة الدول العربية تشمل إشراك مراكز البحوث الزراعية وخلق معاهد التنمية المستدامة، يعهد لها القيام بمسح الموارد الطبيعية والفلاحية والمائية وتصنيفها ورصدها، تمكّن بدورها من تحقيق التوليف المطلوب بين السياسات القطرية والقومية بفعل تطبيق مقتضيات البرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي الذي تمّت بلورته في القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية المنعقدة في الكويت في يناير 2009، وذلك من أجل تحقيق تنمية تعاونية شاملة.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6