التبني.. القانون في صف التحريم الديني ضد الواجب الإنساني

القانون التونسي يعدّ "بقعة ضوء" في العالم العربي مقارنة بدول عربية أخرى تمنع التبني مستندة في ذلك إلى الشريعة الإسلامية.
السبت 2018/03/10
الكفالة شيء رائع، لكن التبني أروع

تونس - جلست نسرين (4 سنوات) على كرسيها الصغير في زاوية الغرفة مكبلة بجهاز طبي يثبت ساقيها. اقتربت منها خلود الطالبة الجامعية والمتطوعة حديثا في مركز رعاية الطفولة بتونس العاصمة، داعبتها قليلا، وأمسكت بيديها ثم أنهضتها، وبدأت نسرين تحرك ساقيها الثقيلتين. وضعت خلود يد الصغيرة على قفل الباب وساعدتها في فتحته، وها هي الحديقة الجميلة التي لا يتسنى لنسرين كأصحابها اللعب فيها.

بكت الطالبة يومها كثيرا وتمنت لو أن لها دخلا قارا ومسكنا خاصا لكانت تبنت نسرين. بعد مرور سنوات، أصبحت خلود ربة عائلة ولها طفلة، لكن تلك الصغيرة لم تفارق خيالها أبدا.

هنا، في مركز رعاية الطفولة كل شيء متوفر للأطفال، حيث يقسمون إلى مجموعات من 7 أطفال أو أكثر قليلا، ومن أعمار مختلفة في شقة تحتوي على كل ظروف الراحة. ترعى الأطفال “أمّان”، هما موظفتان متفرغتان لرعاية الأطفال بموجب عقد، وتتلقى كلتاهما أجرا لقاء ذلك.

لا يحظى الجميع هنا بـ”أمّ” حنون. يتمنى الأطفال لو كانت لهم عائلة تحنو عليهم وتحبهم.

 

يعتبر الحديث عن التبني شائكا في مجتمعات الدول العربية التي تدين بالإسلام من حيث حجة “الحرام”. ومع ازدياد عدد الأيتام والمشردين الذين يحتاجون رعاية العائلة يصرّ خبراء على إنهاء معاناة الصغار، خاصة وأن فحصا بسيطا للحمض النووي يمكن أن يشترط في أي عقد زواج، سيكون كفيلا بوضع حدّ لوهم “اختلاط الأنساب”.

قوانين ضد الإنسانية

تعتبر تونس البلد الأول والوحيد في المنطقة العربية التي شرعت وأجازت التبني، منذ عام 1958.

وكشفت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي، أن الوزارة تسعى للتسريع في إجراءات التبني، لأن هناك 900 طفل ولدوا خارج إطار الزواج وهم ينتظرون من يتبناهم.

وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن عدد ملفات التبني التي تعرض على المعهد الوطني لرعاية الطفولة التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، يتضاعف سنويا وقد وصل خلال سنة 2016 إلى أكثر من 800 ملف تبنٍّ.

وقد لا يحصل أصحاب عدد من الملفات على الموافقة إذا لم يكن مستجيبا للشروط التي وضعها المشرع.

ويوضح مندوب حماية الطفولة مهيار حمادي أنّ “التبنّي لا يحصل بمجرّد تقديم طلب إلى المندوبية، بل يوجّه إلى لجنة لتقوم بالتدقيق والتقصّي حول العائلة الراغبة في التبنّي، تفاديا للمشكلات ولأيّ تبعات سلبية قد تحصل للطفل”، مشيرا إلى أنّ لجنة التبنّي والكفالة رفضت أكثر من 370 ملفا في عام 2014.

ويحظى الطفل المتبنى بفرص العيش في عائلة عادية فهو يحظى باسم جديد ولقب العائلة في الوثائق الثبوتية مع الإبقاء على نسخة من مضمون ولادته الأصلي إذا قرر يوما البحث عن عائلته البيولوجية.

ولا يزال الطفل المتبنّى يعاني من مضايقات وحرج كبير في أغلب الأحيان إذا علم مَن حوله مِن خارج العائلة بالحقيقة. وهذا أمر مؤسف، وفق متحدثين لـ”العرب”، ويؤكدون على ضرورة تغيير العقليات.

تزوجت نادية في سن متأخرة نسبيا، ولم تستطع إنجاب أطفال كما تمنت كل حياتها. بكت كثيرا حتى اختارت في الأخير أن تتبنى “طفلة”.

قدمت المطلب وانتظرت، حظيت بعد أشهر من الانتظار بطفل جميل يبلغ من العمر سنة، وأصبح كل حياتها. تقول إنه أعز من ابنها الذي لم تنجبه.. فهو ابنها.

لكن في مصر، تأكدت كريستينا أنها لن تُرزق بطفل، وهي في الوقت ذاته لا تريد الانفصال عن زوجها ملاك. فكّرا في تبني طفل لكن القوانين تمنع ذلك.

يقول ملاك “أعلم أنها إرادة الرب، لكن الإنسانية لا ترفض أن أكون أبا”.

تنص اتفاقية حقوق الطفل، التي توجّه عمل اليونيسف، بوضوح على أن لكل طفل الحق في أن ينشأ في بيئة عائلية، وأن يعرف عائلته وأن ترعاه هذه العائلة كلما أمكن ذلك.

لكن الوضع شائك في مجتمعات الدول العربية التي تدين بالإسلام من حيث حجة “الحرام”، في حين يسمح “الحلال” باستغلال القاصرات والزواج منهن مقابل مبلغ للأهل في المخيمات، فللأسف مفهومنا للحلال والحرام فيه التباس، وتسوقه اعتبارات عدة، ليس بينها الأخلاق أو القيم الإنسانية.

 2.5 مليون طفل يتيم في العراق لا يسمح المجتمع بإنهاء معاناتهم

يعتبر القانون التونسي “بقعة ضوء” في العالم العربي مقارنة بدول عربية أخرى تمنع التبني مستندة في ذلك إلى الشريعة الإسلامية.

وقبل الحرب السورية مثلا لم تكن هناك دراسات حول أعداد الأطفال غير الشرعيين والأيتام المشردين ومصيرهم، أو حتى خطرهم على المجتمع، فما بالك اليوم بعد 7 سنوات من حرب دامية.

ولا يسمح القانون السوري بالتبنِّي، والاستثناء الوحيد على ذلك هو قانون الأحوال الشخصية للكاثوليك رقم 33 للعام 2006. أما بحسب نظام الكفالة الذي تتناوله الشريعة الإسلامية، فيبقى “اللقيط”، وفق تعريف القانون محتفظا باسمه، ولا يحقُّ له أخذ لقب العائلة التي تكفله. ويعتبر رَفْضُ المجتمع لهؤلاء الأطفال هو المعاناة الحقيقية لهم.

وفي مصر يمنع جميع المواطنين من التبني بشكل قاطع. واضطرّ القانون الموحد للأحوال الشخصية للمسيحيين إلغاء التبني المشروع وفقا للعقيدة المسيحية نزولا عند رغبة الدولة الرافضة للتبني باعتباره مخالفا للشريعة الإسلامية. واعتبر أن حذف “فصل التبني” من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، كان لتفادي الدخول في صدام مع الدولة.

وفي العراق، حسب الإحصاءات فإنه يوجد نحو 2.5 مليون طفل يتيم. لكن تقارير دولية أشارت في آخر إحصائية لها عام 2011 إلى أن عدد الأيتام في العراق بلغ نحو خمسة ملايين طفل أي ما نسبته 16 بالمئة من السكان.

ومنذ عام 2003 ازدادت ظاهرة الأطفال المشردين والأيتام. وكانت وزارة حقوق الإنسان قد أعلنت عام 2011 بأن العراق يضم النسبة الأكبر من الأيتام في العالم العربي ولا يسمح القانون العراقي بالتبني وإن سمح فهي حالات قليلة تتم بعد إجراءات معقدة.

وفي نهاية عام 2016، أعلنت اليونيسف أن أكثر من 800 ألف طفل ليبي يحتاجون إلى الحماية والمساعدة الإنسانية. وأوضحت المنظمة أن أكثر من 270 ألف طفل في بنغازي وحدها بحاجة ملحة إلى الدعم النفسي والمساعدة الاجتماعية.

وفي اليمن، أشار تقرير إلى أن أعداد الأطفال المجندين تضاعفت، بسبب فصلهم عن عائلاتهم وأن 10 ملايين طفل يحتاجون إلى مساعدات غذائية وصحية عاجلة.

وفي لبنان يرعى قانون مدني حق الأفراد في التبنّي. لكن هذا الحق بقي خاضعا لقوانين الأحوال الشخصية المذهبية المختلفة. فهو محرّم لدى الطائفة الإسلامية بمختلف مذاهبها، إلا أنه يعتبر حلالا لدى الطائفة المسيحية وفق شروط مذاهبها المتنوعة.

المفارقة أن إيران التي “تعتمد الشريعة الإسلاميّة أساسا لقوانينها”، تحتفظ بقانون مدني لمواطنيها في ما خصّ موضوع التبني على الأقلّ!  ويعود قانون التبني المدني الإيراني إلى عام 1974، أي قبل “الثورة الإسلاميّة”، ويُعمل به حتى الآن.  التحايل على القانون لإشباع غريزة إنسانية يجعل البعض يتجه إلى الاتجار بالبشر، والحصول على طفل من أهله أو شخص ما مقابل المال.

الكفالة قليل من الحب

الكفالة تؤمن للطفل احتياجاته لكن التبني يوفر له عائلة
الكفالة تؤمن للطفل احتياجاته لكن التبني يوفر له عائلة

قالت سهير لطيف أستاذة علم الاجتماع بجامعة حلوان (جنوب القاهرة) إن استمرار تحريم التبني في بعض المجتمعات العربية، على غرار مصر، من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية على الكيان المجتمعي، مثل فتح الباب أمام الاتجار بالأطفال أو زيادة حدة مشكلة أطفال الشوارع، باعتبار أن مجهولي النسب يكونون صيدا ثمينا أمام الجماعات التي تتربح من تجارة الأطفال بطرق مختلفة.

وأضافت لـ”العرب”، أن مشكلة بعض المجتمعات أنها تجرّم التبني من منظور ديني بحت، بغض النظر عن إنسانية إباحة هذا الأمر، ما يضيع على الطفل ميزة أن تكون له أسرة ترعاه وتعتبره ابنها، وميزة أخرى أن يتم تعويض الأسرة التي لا تنجب أطفالا عن أن يكون لها ابن يعوضها عن حرمان الإنجاب. وأشارت إلى أنه حتى مع اتجاه الكثير من البلدان إلى توسيع دائرة ما يسمى بالأسر البديلة لرعاية الأطفال المودعين بدور الأيتام، لكن ثمة شروطا وقوانين جائرة تمنعها من تبني هؤلاء الصغار، فضلا عن تجريم تبني الأطفال قبل بلوغ الزوج والزوجة سنا متقدمة للغاية، وهو يمثل عائقا أمام أن يكون للأسرة التي لا تجنب طفل، والزوج والزوجة لا يزالان شابين، حتى يستمتع الطفل معهما بفترة طفولته.

مثال على ذلك، إن وزارة التضامن المصرية قررت رفع سن الزوجين الراغبين في الكفالة إلى ستين عاما، بدلا من 55 عاما، وأن تكون الأسرة البديلة ميسورة الحال ولها مسكن وأن يثبت البحث الاجتماعي أنه بإمكانها الإنفاق على الطفل الذي ترعاه.

قالت أستاذة علم الاجتماع، إن هذه التعديلات تعني أن الزوجين لا بد أن يكونا قد وصلا إلى سن متقدمة من العمر ليكون هناك طفل في حضانتهما والشعور بمتعة الإنجاب، كما أن اشتراط أن تكون الأسرة ميسورة يحرم أكثر الأسر من ميزة احتضان طفل يتيم أو مجهول النسب، ويحرم أكثر الأطفال من التربية في جو أسري، خاصة وأن هناك أسرا متوسطة الحال محرومة من الأطفال.

لو كنت طفلا في دار للأيتام، هل تفضل أن تدفع العائلة لك مصروفك ومصروف مدرستك لتعود وتنام على سرير في دار الأيتام… أم على سريرك في غرفتك بجانب غرفة والدك ووالدتك، اللذين يهتمان بك ويحبانك كفرد من العائلة؟ يجيز الدين الإسلامي على غرار بقية الأديان مبدأ الكفالة. لكن مبدأ التبنّي يصطدم برأي ديني يحرم بشدة أن تقوم الأسر المحرومة من الأطفال بتبنيهم.

ويبرر معارضو التبني وجهة نظرهم بأنه لا يمكن ترك الطفل ينتسب لأسرة لم يخترها، أو يعيش طوال حياته مخدوعا إذا انتسب لأسرة بديلة ما قد يدمر حياته عند الكبر ولا يستطيع أن يتبرأ من ذلك بسهولة.

وتقول هدى زكريا خبيرة علم الاجتماع جامعة الزقازيق (شمال القاهرة)، إن تلك المسألة ليست مرتبطة بالتبني إنما بالتربية السليمة والصحيحة من خلال غرس القيم النبيلة في الطفل منذ الصغر.

والكفالة هي الاهتمام بشخص محتاج سواء كان بسبب اليتم أو الفقر. فيقوم الكفيل بتأمين المأكل والملبس وأحيانا السكن لهذا الشخص. وغالبا ما يكون السكن هو دار الأيتام أو جمعيات خاصة تهتم بالمحتاجين. وقد يصاحب الدعم المادي دعم معنوي عاطفي كاصطحاب الطفل في نزهات ومشاركته فرحة العيد و لكن في أغلب الأحيان الكفالة تكون مجرد معاملات مالية بين دار الأيتام والكفيل.

ويؤكد ملاك “الكفالة تؤمن للطفل احتياجاته لكن التبني يعطيه عائلة”. وأضاف “الكفالة شيء رائع، لكن التبني أروع″.

خلاصة القول إننا أمام مشكلة العدد الكبير من الأيتام، علينا مواجهة مسؤولياتنا، خاصة أن فحصا بسيطا للحمض النووي (DNA) يمكن أن يشترط في أي عقد زواج، سيكون كفيلا بوضع حدّ للأوهام بدل أن نجد ذريعة “الحرام” جاهزة للاستخدام.

شارك في إعداد التقرير: محمد محمود

20