التبو في جنوب ليبيا: دعم مشوب بقلق لتقدم الجيش

التبو ينأون بأنفسهم عن المعارضة التشادية، والقبائل غير العربية تخشى أعمالا انتقامية.
الجمعة 2019/02/22
التوتر يخيم على قبائل التبو

أوباري (ليبيا) – مع تقدم الجيش الليبي، يسيطر القلق والتوتر على أهالي أوباري، معقل أقلية التبو في جنوب ليبيا، في ظل نقص الإمدادات الغذائية والوضع الأمني المضطرب وأيضا خشيةَ أن يتم الزج بهم في حروب قبلية واستخدامهم -كما فعل في الماضي العقيد الليبي الراحل معمر القذافي- للتدخل في نزاعات في التشاد والنيجر.

وعلى بعد حوالي 180 كيلومترا إلى شرق أوباري، تشهد مدينة مرزق عمليات عسكرية، إذ تحاول قوات الجيش الليبي دخولها والقضاء على ما يعرف بـ”المعارضة التشادية” التي يتهم التبو الليبيون بمناصرتها. وتعد مدينة أوباري، التي يقطنها قرابة 60 ألف نسمة (عرب وطوارق وتبو) وتقع على بعد 900 كلم جنوب طرابلس، واحدة من أهم مدن منطقة حوض مرزق، ويمثل التبو فيها جزءا هاما من النسيج الاجتماعي. ويدعم أغلب أفراد هذه الأقلية غير العربية الجيش ويصرون على أن انتماءهم إلى ليبيا تاريخي ولا غبار عليه.

ويقول علي السنوسي، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره ويعمل في مستشفى أوباري العام، “يشعر الناس ببعض التوتر نتيجة العمليات العسكرية التي تهدد السلم الاجتماعي في منطقة حوض مرزق بالكامل”. ويتحدّر السنوسي من قومية التبو وهو من سكان مدينة أوباري، يسير كل صباح إلى مقرّ عمله نظرا إلى عدم توفر الوقود بشكل منتظم داخل المحطات، ما اضطره إلى ترك سيارته مركونة أمام منزله.

ويقول، وهو يرتشف قهوته في باحة المستشفى، “لا يمكن لأحد أن يصفنا بأننا ضد الجيش، لأننا أبناء هذه المنطقة ولدينا انتماء كبير وحب لهذه الأرض. لكن لا نرضى بأن يتم زجنا في حروب قبلية مع أبناء القبائل العربية”.

لا يمكن لأحد أن يصفنا بأننا ضد الجيش، لأننا أبناء هذه المنطقة ولدينا انتماء كبير وحب لهذه الأرض. لكن لا نرضى بأن يتم زجنا في حروب قبلية ضدّ أبناء القبائل العربية

وينتشر أفراد قبائل التبو ذوو البشرة السمراء والمعروفون بروحهم القتالية، وهم من الرحل، في منطقة تيبستي الواقعة بين ليبيا (جنوب) وتشاد (شمال غرب) والنيجر (شرق). ويتعرضون للتهميش غالبا من القبائل العربية. 

وبدأ الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر عملية عسكرية في الجنوب بهدف تطهيره من المجموعات الإرهابية والإجرامية في منتصف يناير. وتخشى أقلية التبو خصوصا أعمالا انتقامية.

وعن وجود عناصر إرهابية في أوباري التي يستهدفها القصف الأميركي بشكل متواصل، يقول السنوسي “أوباري مدينة بها أجناس ومكونات مختلفة، ولا يخفى على أحد أن هناك عناصر إرهابية تنشط في صحراء المدينة، لكنها لا تجرؤ على الاقتراب من المدينة، لأن لا أحد يقبل بوجودها أو يتقبل أفكارها المنحرفة والهدامة”.

ولجأت مجموعات متطرفة إلى صحراء أوباري الشاسعة والوعرة التي تنطلق منها في بعض العمليات. وتستهدف هذه العمليات أحيانا بلدانا أفريقية. وتشهد ليبيا فوضى مستمرة منذ سقوط نظام القذافي في 2011. وتتنازع السلطة فيها حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا والتي تتخذ من طرابلس مقرا، وحكومة موازية مدعومة من الجيش الوطني الليبي.

ويقطن مرزق نحو 50 ألف نسمة، وتتميز بقلعتها التي تعود إلى نحو سبعة قرون مضت. وتحيط بالمدينة أشجار النخيل والمساجد التي تضم زوايا تحفيظ القرآن… وكانت تعد همزة وصل لنقل البضائع وكانت تشقّها طرق التجارة قديما من أقصى أفريقيا عبر الصحراء الليبية نحو الشمال.

ويقول الباحث في شؤون التبو علي يحيى المنتمي أيضا إلى هذه الأقلية، “نحن عرق من أعراق القبائل الليبية القديمة ومسلمون، ولنا لغة خاصة، ولدينا امتداد اجتماعي مع أولاد عمومتنا في تشاد والنيجر والسودان، لكن لا يعني هذا الرابط أمرا سلبيا، لأننا ليبيون وحريصون على أرض البلاد أكثر من أي أحد”.

Thumbnail

ويشير يحيى إلى أن مكانة مرزق القديمة جعلتها منارة للعلم وأضحت غنية بالتنوع الثقافي، كما أن أهلها اشتهروا وما زالوا يشتهرون بكرم الضيافة.

وتسببت العمليات العسكرية التي تدور في محيط مرزق بحصار تتصاعد حدته يوما بعد آخر، إذ أغلقت بعض مخابز المدينة أبوابها بسبب نقص الدقيق إلى جانب الشح الذي عرفته مواد التموين وإغلاق معظم محطات الوقود لصعوبة نقلها بسبب التوتر الأمني في الطرق المؤدية إلى سبها. كما تكدست القمامة في المدينة بشكل يشبه الجبال الصغيرة، ما ينذر بكارثة بيئية محدقة تهدد حياة الناس.

ويقول عضو المجلس البلدي في مرزق إبراهيم عمر “المدينة تواجه مشاكل عديدة على مستوى الخدمات، خصوصا بالنسبة إلى مستشفى مرزق الذي يوجد فيه طبيب واحد. ومع استمرار الأعمال العسكرية في محيط المدينة، امتنع أغلب الأطباء عن القدوم خوفا على حياتهم”.

كما يشير إلى عزوف التجار عن نقل بضائعهم إلى مرزق بسبب الوضع الأمني المتدهور، مؤكدا أن مخزون البضائع في مرزق سينتهي إذا بقي الوضع على حاله.

وأعلنت قيادة الجيش الوطني أنها قامت في ثلاث مناسبات منذ مطلع الشهر الجاري بتنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع لمسلحي المعارضة التشادية بالقرب من مرزق. وينفي سكان مرزق والمدن التي يقطنها التبو صلتهم بالمعارضة التشادية أو تقديم الدعم لهم، مؤكدين أن الروابط بينهم اجتماعية فقط، لأنهم من عرق واحد.

7