التجاذبات الإيرانية التركية في العراق وسوريا.. تقاسم أدوار أم لعبة مصالح

الأربعاء 2015/01/28
تركيا تعتبر إيران خصما لا يمكن معاداته

شهدت العلاقة بين أنقرة وطهران، في السنوات الثلاث الأخيرة، توتّرا على خلفية موقف كل واحدة منهما من الأزمة السورية ومما يجري في العراق، إلا أن لعبة التوازن في المصالح الاستراتيجية، وإن أدت إلى شد وجذب بينهما، فهي لم تؤد حاليا إلى صراع مكشوف بين طهران وأنقرة.

في ضوء التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، كيف نقرأ التجاذبات الإيرانية التركية وما فرضه ظهور تنظيم داعش وتمدد الحوثيين من أوضاع وحقائق ميدانية جديدة؟ أين تلتقي أنقرة وطهران وأين تختلفان؟ وهل ثمة أزمة ثقة في استراتيجيتي البلدين في العراق وسوريا على وجه التحديد؟ كيف يشكل التباين والالتقاء في سياستيهما الخارجية تأثيرا على البلدان العربية؟ وكيف تمكن المقارنة؟ وما الصلة بينهما؟ وما حقيقة دوريهما في محاربة تنظيم داعش وتنظيمات إرهابية أخرى؟ وكيف يحاولان استغلال هذا الدور في تسويق سياستيهما الإقليمية؟

تطرح هذه الأسئلة مآل النظام الإقليمي العربي ومصيره في إطار مخاض التحولات القائمة، بحيث تفرض تحليلا دقيقا ومقارنة لسياسة قوتين إقليميتين بارزتين منذ 2011 في مسرح سياسي ملتهب، فضلا عن كشف أهدافهما المعلنة والخفية. وبالتالي رصد انعكاساتها على علاقتهما الثنائية بعد أن دخل تقاربهما السابق منذ سنوات معترك محك شديد.

والواقع أن تحقيق مصالحهما لا يستقيم إلا باستمرار حالة الركود والضعف العربي وتفككه وتعميق حالة الاستقطاب والاستقطاب المضاد وتدويل قضاياه. إذ يحدث ذلك في وقت بدأت أسوار الدولة المركزية في الشرق الأوسط تتهاوى تحت ضغط القوى الانقسامية والانشطارية الداخلية من تنظيمات متطرفة وقوى قبلية وتناقضات طائفية ومذهبية وإثنية من جهة، فضلا عن تجاذبات إقليمية ودولية واستقطاب واستقطاب مضاد من جهة أخرى.

استثمار مدفوع الثمن

تتفق إيران وتركيا على محاربة تنظيم داعش لأنهما يعتبرانه تهديدا مباشرا لمصالحهما في العراق وسوريا. لكن غاياتهما تختلف نسبيا، تكمن غاية إيران الأولى المعلنة في الحصول على اعتراف بمساهمتها، أملا في دفع الغرب إلى إجراء اتفاق نووي قبل انتهاء المهلة الجديدة في يونيو 2015 ورفع العقوبات الاقتصادية المقررة منذ 2006.

إيران وتركيا والبلدان العربية تتنازع حول وظائف وأدوار حددتها السياسة الأميركية في المنطقة وليس لرسم آفاق استراتيجية للمنطقة

بالإضافة إلى استغلال هذه المساهمة في التشهير بما تعتبره “إرهابا سنيا راديكاليا” (تنظيم داعش وجبهة النصرة…) في محاولة إنقاذ النظام العلوي الشيعي في سوريا وجعل تنظيم داعش خطورة دولية ومركزية فيما يصبح نظام الأسد مجرد مشكلة إقليمية وآنية، وبالتالي يصبح هدف التنظيم الدولي لمكافحة الإرهاب القضاء على داعش وليس إسقاط نظام الأسد، وإيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية وعودة بشار مجددا إلى الساحة الدولية. بالمقابل، قبلت تركيا على مضض المساهمة في محاربة داعش وبكثير من التريث، بعد أن تعرضت لضغوط أميركية وأوروبية كبيرة ألزمتها في النهاية التخلي مؤقتا عن فكرة قيام مناطق عازلة والسماح للأكراد السوريين وقوات البيشمركة بالدخول إلى عين العرب، فضلا عن تدريب حوالي ألفي عنصر من المعارضة السورية على أراضيها بمساهمة أميركية مباشرة، وذلك خوفا من أي تفاهمات تتم بين الأميركيين والأكراد السوريين (تنديدها بلقاء دانيال روبشتايم الموفد الأميركي وصالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري حليف حزب العمال الكردستاني التركي) أو مناورة النظام السوري بسحب قواته من المناطق المحاذية للحدود التركية وترك الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني يعاقب أنقرة على مساعدتها المعارضة السورية.

من ثم حددت تركيا أربع نقاط سياسية، تتمثل في دعوة واشنطن إلى إقامة منطقة آمنة بعد أن كانت تنادي بإقامة منطقة عازلة، فضلا عن تدريب المعارضة السورية وتزويدها بالسلاح، ثم الدعوة إلى توجيه ضربات عسكرية إلى النظام السوري بغية إسقاطه وإقامة منطقة حظر جوي. ولم تستجب الولايات المتحدة الأميركية لتوجيه ضربات عسكرية أو إقامة منطقة عازلة وحظر جوي واكتفت حاليا بالمشاركة في تدريب قوات سورية معارضة على الأراضي التركية، ثم طمأنة تركيا على دورها الجيوسياسي بوصفها عضوا في حلف الناتو.

والحقيقة، انبثق عن عدم الاستجابة للمطالب التركية بخصوص قلب نظام الأسد، قلق حاد بطبيعة الرمال المتحركة في حدودها مع سوريا والعراق، حيث بدأت أنقرة تهيئ نفسها إلى قبول إعلان “دولة كردستان العراق” (طموح انفصالي واضح بالرغم من عدم استعداد القوى الكبرى للقبول به حاليا خوفا من مدّ يفكك أوصال المنطقة)، سبقتها سلسلة من الاستثمارات الضخمة واتفاقية تصدير نفط الإقليم عبر ميناء جيهان التركي الذي سيدر عوائد مهمة عليها، ثم المفاهمات المشتركة التي تكللت بالتزام حكومة كردستان بعدم التدخل في شؤون أكراد تركيا والتزامها بالسيادة التركية وعدم دعم النزعات الانفصالية الكردية في سوريا. وهو ما يمنع عمليا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من إقامة كيان منفصل على الحدود السورية التركية، حيث أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني أقرب إلى تركيا فيما أصبح حزب الاتحاد الوطني أكثر قربا من إيران.

أسوار الدولة المركزية في الشرق الأوسط تتهاوى تحت ضغط القوى الانقسامية والتناقضات الطائفية والتجاذبات الإقليمية والدولية

علاوة على ذلك، بدأت تركيا فعليا ترتب نفسها للاستفادة من مشاركتها باعتبارها تتوفر على حدود تشمل 1500 كلم مع سوريا والعراق، وهي بمثابة البوابة الجغرافية لأي عملية تريد تطويق تنظيم داعش، وبالتالي تخول لها هذه الحدود الطويلة أهمية جيوسياسية لا غنى عنها في أي عملية عسكرية في العراق أو سوريا، سواء كانت جوية عبر قاعدة “إنجيرليك” أو عبر حرب برية. غير أنه في المحصلة، يشوب التحرك التركي في المنطقة الكثير من التخبط والغموض، فهو ليس قادرا اليوم على الحسم في سياسته، سواء بالعمل على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بمعالجة القضية الكردية والحقوقية أو اختيار ربط مصيره بمصير المنطقة العربية جواره الطبيعي واحترام سيادة دوله (فشل في تسويق نموذجه العثماني الجديد في مصر وتونس) ولا الحسم في التوجه نحو العالم التركي في آسيا الوسطى (الحلم الطوراني).

معضلات مستمرة

الحال أن طهران وأنقرة تنظران بشكل قلق إلى تهاوي تضاريس معاهدة سايكس- بيكو القديمة في ظل شكوكهما المتزايدة في أهداف واشنطن بشأن حرب داعش، لكن أنقرة تنظر إلى حقيقة جيوسياسية تتمثل في كون تنظيم داعش كسر فعليا حلقة التواصل في ما يعرف بالهلال الشيعي بين العراق وسوريا، بحيث لا يضرها ذلك على الأمد القصير، ريثما يتم التخلص من هذا التنظيم أو تقزيمه.

ولا ننس الأخذ في الحسبان ما تفعله إيران من تغلغل في العراق، حيث تتوفر على أكثر من 40 مليشيا شيعية و20 حزبا طائفيا تندرج كلها في مظهر من مظاهر الهلال الشيعي العابر للأوطان ويعمل أغلبها تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني، مقارنة بالحضور السياسي الباهت لتركيا في العراق، حيث تصر جميع التقارير على أنها سمحت بمرور العديد من آلاف الجهاديين على أراضيها إلى سوريا جماعات وأفرادا نافضة أي مسؤولية في ذلك، فضلا عن تعميق اتصالاتها مع التركمان والعشائر السنية في شمال العراق وتوطيد الصلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود برزاني ودعم الإخوان المسلمين في سوريا، هذا مخافة أن يؤدي التقارب الإيراني الأميركي مستقبلا إلى إحداث خلخلة جديدة تسفر عن القبول بإيران نووية وتكريس دورها الإقليمي وعدم اعتمادها في رسم ملامح شرق أوسط جديد.

يبدو واضحا، حصول تقارب نسبي في العلاقات الإيرانية الأميركية، فيما تتسع الفجوة بين تركيا والولايات المتحدة حول النقاط التي تطالب بها أنقرة في سوريا وظلت مجرد صيحة في وادي، يمكن فك طلاسمها عبر رسائل القيادة الأميركية السرية إلى إيران (الرسالة الأولى في مايو 2009، الرسالة الثانية في فبراير 2013 والرسالة الثالثة في أكتوبر 2014)، كشفت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال” تخللها شد وجذب خلال هذه السنوات، لكن تلتها في الأخير حصول إيران على مهلة جديدة (عوض نوفمبر 2014، تم تحديد 30 يوينو 2015) لتسوية الملف النووي بسبب إدراك واشنطن أن استبعاد طهران كليا من المشاركة في التحالف الدولي، سيدفعها إلى تشكيل جبهة مضادة معرقلة مع نظام بشار الأسد، حيث تعمد واشنطن إلى التغافل عن الدور الإيراني المدمر في سوريا والعراق والتغاضي عن دور المليشيات الشيعية في سوريا والعراق ولبنان وعدم اعتبارها مؤخرا ما يقع في اليمن انقلابا على الشرعية السياسية لإحكام السيطرة على العاصمة صنعاء (منذ 21 سبتمبر 2014) من طرف حركة “أنصار الله”، بخاصة الانقلاب على المبادرة الخليجية في اليمن.

أنقرة تخشى إعلان "دولة كردستان العراق" ولا تريد "كردستان" في سوريا

هكذا يلاحظ أن المفاوضات الإيرانية الأميركية دخلت مرحلة جديدة، حيث بات على الدول العربية الانتباه إلى أن أي تقارب إيراني أميركي حول الملف النووي، سوف يتبعه تقارب أكبر في ملفات أخرى بالتدريج، وهو ربما أمر سيتعمق كثيرا في حال فوز الحزب الديمقراطي بالرئاسة الأميركية لاحقا، وبالتالي يتيح إمكانية الرد عليه سلبيا من الطرف الأميركي ضد كل من يعارضه.

والواقع أن ملامح سايكس- بيكو جديدة غير واضحة المعالم بدأت تلوح في الأفق، خاصة ظهور كيان جديد يتثمل في “كردستان العراق”، من خلال دعم مشاركة قوات البيشمركة في الحرب على داعش وحصولها على دعم سياسي وعسكري ولوجستي غربي، جعل منها قوة ضغط عسكرية ثانية في الأهمية بعد التحالف الدولي، في انتظار تأهيل الجيش العراقي وتدريب معارضة سورية عسكرية، كما بتنا نسمع عن “جيش لإدارة منتخبة”، عوض التصريحات السابقة التي كانت تعتبر “البيمشركة جزءا من الجيش العراقي”، فيما تحاول إيران التموقع من جديد، سواء عبر دعمها لحكومة مسعود برزاني بتكليفها الجنرال قاسم سليماني ومليشيات الحشد الشعبي لمساعدة قوات البيشمركة في حماية أربيل وتحرير مدينة أمرلي الشيعية من حصار داعش وذلك بغطاء جوي أميركي، ثم تزويد الأكراد بالسلاح والمساعدة الميدانية.

أدوار متبادلة

المهم أن أبرز الخلافات الموجودة بين تركيا وإيران تتمحور حول نظام الأسد نظرا إلى أن إيران تغلغلت كليا في سوريا وهي القائمة بالأمر، فهي السند الأول والمباشر للنظام السوري، بخاصة عبر ميليشيات فيلق القدس الذي يقوده ضباط من الحرس الثوري الإيراني ومليشيات أبي الفضل العباس وفيلق بدر وحزب الله وعصائب أهل الحق وسرايا الأشتر وحزب الطليعة الإسلامي الشيعي إلخ، فيما انزلقت القيادة التركية إلى عسكرة الثورة السورية وارتكبت خطأ جسيما بالسماح بالتسلل للجهاديين من مختلف بقاع العالم وبقية القصة معروفة..إلخ.

لكن لعبة التوازن في المصالح الاستراتيجية إن أدت إلى شد وجذب بينهما، فهي لم تؤد حاليا إلى صراع مكشوف بينهما مخافة دخولهما في حرب تضعفهما لصالح الآخرين.

علاوة على ذلك، لا تبدي تركيا انزعاجا من حصول إيران على برنامج نووي سلمي وظلت تعرض وساطتها بالرغم من القلق الذي يسببه لها امتلاك إيران القنبلة النووية، فهي عارضت العقوبات وغطت عليها استراتيجيا بعلاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية قبل أن يلحق الفتور بعلاقتها مع إسرائيل، غير أن تركيا بدأت اليوم في إقامة مفاعل نووي في خليج اكويو جنوب تركيا، وتخطط لبناء عشرة مفاعلات نووية بحلول عام 2020، بحيث تبدو المحرقة النووية في المنطقة، خطرا يفوق إنتاج طاقة.

طهران وأنقرة تنظران بشكل قلق إلى تهاوي تضاريس معاهدة سايكس- بيكو القديمة في ظل شكوكهما المتزايدة في أهداف واشنطن بشأن حرب داعش

الواقع أن التجاذب الإيراني التركي في الشرق الأوسط، يدفع البلدان العربية إلى الاصطفاف وراءهما وليس العكس، منه الوضع السياسي القائم في العراق بتكريس الهيمنة الإيرانية عليه، وعدم وضوح الرؤية العربية حول سوريا ومستقبلها، بالإضافة إلى الارتباك العربي الحاصل حيال التسويق لمقولة “خطر الإرهاب السني الراديكالي” من طرف إيران، وهي أكذوبة بالمقارنة مع ما قام به المالكي في نهجه الطائفي، وما تقوم به المليشيات الشيعية في العراق وسوريا وأنصار الله في اليمن وحزب الله في لبنان وإثارة القلاقل في البحرين برعاية إيرانية.

فضلا عن ذلك، إن السقف الذي حددته واشنطن الآن في محاربة داعش يمكن أن يقزّم التنظيم، لكنه لن يقضي عليه، ما يجعل البلدان العربية وإيران وتركيا تتنازع حول وظائف وأدوار حددتها السياسة الأميركية في المنطقة وليس لرسم آفاق استراتيجية للمنطقة، مع فارق أن أمر خوض حرب برية مؤجل في العراق أو سوريا وترك نهائيا للحكومة الأميركية المقبلة، هذا في الوقت الذي بدأت خريطة معاهدة سايكس- بيكو التي اقتسمت تركة “رجل الشرق المريض” بعد الحرب العالمية الأولى في التحول والتغيير بالتدريج، والخوف كل الخوف أن يزداد الشرخ في العراق وسوريا واليمن، مما ينذر هذه المرة بتقسيم تركة “الرجل العربي المريض” على عدة قوى إقليمية ودولية أو تفتتها، ومن ثم يفترض على العرب الإجابة على إشكاليات جيوسياسية واستراتيجية تندرج في أفق سياسي وعسكري لم يعودوا يتحكمون فيه لوحدهم:

على المستوى الداخلي، إن المعركة مع تنظيم داعش والتنظيمات الدينية المتطرفة فكرية وإعلامية واجتماعية، قبل أن تكون أمنية وعسكرية، بحيث عليها إقناع مواطنيها بأن هذه التنظيمات عدمية ومغالية وعنفية، فهي تعيش صدمة الحداثة لأنها تستعمل أحدث التقنيات في نشر أفكار متخلفة وبدائية خارج المرجعيات الفكرية التي أنتجت هذه التقنيات.

على المستوى الإقليمي العربي والدولي، يجب على البلدان العربية أن تجيب على الأسئلة التالية: أي مستقبل ينتظر اليمن في إطار تزايد النفوذ الإيراني؟ وأي مستقبل ينتظر سوريا (دولة واحدة أو كانتونات مذهبية)؟ وأي مستقبل يرسم في العراق (فيدرالية أو جمهورية حالية تعمل بالمحاصصة الطائفية)؟ وهل يحصل الأكراد على دولة؟

إنها أولوية الأولويات الجماعية لتفادي استنساخ ما وقع في أفغانستان والصومال والسودان، لأن التجاذبات القائمة تنذر لاحقا بحروب مياه وحروب أهلية وطائفية وحروب طاقة، تقضي بضرورة تحديد استراتيجية دفاعية واقتصادية واضحة تحمي الكيان العربي.

باحث بمركز أنظمة الفكر المـعاصر،جامعة السوربــون

7