التجاذبات السياسية تعيق المصادقة على قانون التقاعد في تونس

المعارضة تستغل تغيّب عدد كبير من النواب لإسقاط القانون داخل البرلمان.
الأحد 2018/12/16
الخلافات تعصف بالبرلمان

رغم أن مشروع قانون التقاعد في تونس يحتاج إلى ثلث أصوات البرلمان، أي 73 صوتا، إلا أن 71 نائبا فقط صوتوا لصالح مشروع القانون، في خطوة تكشف حجم الصراعات الحزبية وعمق الأزمة السياسية في البلد، حيث استغلت المعارضة تغيّب نواب عن جلسة المصادقة لرفض تمرير القانون بهدف ممارسة المزيد من الضغط على الحكومة.

تونس - أسقط مجلس نواب الشعب (البرلمان) في تونس مشروع قانون التقاعد، في خطوة خيّبت آمال أكثر من مليون متقاعد ينتظرون إجراءات حكومية تحسّن أوضاعهم المعيشية كالترفيع في سن التقاعد وزيادات في الأجور.

ونال المشروع بعد إجراء عملية التصويت، الخميس، موافقة 71 نائبا فقط مقابل رفض 16 نائبا واحتفاظ 8 آخرين خلال الجلسة العامة التي حضرها وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي.

وينص مشروع القانون على الترفيع بعامين في سن التقاعد بالقطاع العمومي وذلك بتحديد سن الإحالة للتقاعد بـ62 سنة وتحديد سن الإحالة للتقاعد بالنسبة إلى العملة الذين يقومون بأعمال منهكة ومخلة بالصحة بـ57 سنة على أن تضبط قائمة هذه الأعمال في أمر حكومي.

كما ينص على الترفيع الاختياري في سن الإحالة على التقاعد بسنة حتى 5 سنوات وإلى حدود 70 سنة للأشخاص المنصوص عليهم في الفصل 29، فضلا عن الترفيع بنسبة 3 بالمئة في ضريبة الضمان الاجتماعي (2 بالمئة على أصحاب العمل و1 بالمئة على الموظف).

ويقترح الترفيع بسنة واحدة، بداية من يناير 2019، بالنسبة إلى الموظفين الذين ستتم إحالتهم على التقاعد طيلة سنة 2020 والزيادة بسنتين لمن سيحالون على التقاعد طيلة سنة 2020.

وأبدى وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي استغرابه من إسقاط القانون خاصة أنه كان محل إجماع. وقال الطرابلسي في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية، إن “ما يبعث على الاستغراب هو المصادقة على القانون فصلا فصلا ثم يتم إسقاطه عند التصويت عليه برمته بنفس النواب وبنفس عدد النواب”.

ورأى الطرابلسي أن “القانون كان ضحية تجاذبات سياسية وضحية الوضع السياسي والوضع العام في البلاد عامة بينما كان من المفروض أن يكون بعيدا عن التجاذبات وأن تكون المصادقة عليه رسالة توحيد للتونسيين”.

ويشير مراقبون إلى أن الصراع المحتدم على السلطة بين الرئاسة والحكومة مع اقتراب السباق الرئاسي والخلافات التي ظهرت إلى العلن بين رئيس البلاد الباجي قائد السبسي ورئيس الوزراء يوسف الشاهد على خلفية أزمة حركة نداء تونس، أثرا على مصير القوانين المعروضة على البرلمان وعلى عمل باقي مؤسسات الدولة.

ويعتقد هؤلاء أن رفض تمرير مشروع قانون التقاعد يستهدف إصلاحات رئيس الحكومة التي اقترحها ومن بينها الترفيع في سن التقاعد، ويؤكد أن حكومة الشاهد لا تجد دعما سياسيا لتنفيذ خططها الاقتصادية.

ومن شأن هذه الخطوة أن تزيد الضغوط الاجتماعية على الحكومة التي تلقى احتجاجات من مختلف القطاعات رفضا لمشروع الموازنة لعام 2019.

رفض تمرير مشروع قانون التقاعد يستهدف إصلاحات رئيس الحكومة التي اقترحها ومن بينها الترفيع في سن التقاعد، ويؤكد أن حكومة الشاهد لا تجد دعما سياسيا لتنفيذ خططها الاقتصادية ومن شأن هذه الخطوة أن تزيد الضغوط الاجتماعية عليها

وتواجه الحكومة ضغوطا غير مسبوقة من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة في البلاد) الذي يهدد بإضراب ثان في يناير ومن المدرسيين ومن قطاع المحاماة والفلاحين، كما استعرضت حركة “السترات الحمراء”، الجمعة برنامجها لتنفيذ تحركات سلمية احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة التي تعيشها البلاد. ويقول المراقبون إن إسقاط قانون التقاعد في هذا التوقيت سيثير غضب المتقاعدين الذين سبق وأن خرجوا في احتجاجات، وسيمثل ضغطا إضافيا على الحكومة.

وقال وليد جلاد، النائب عن كتلة الائتلاف الوطني، لـ”العرب” إن “غياب روح المسؤولية والتجاذبات الحزبية كانا وراء حرمان مليون متقاعد من الاستفادة من هذا القانون”. 

وأوضح جلاد أن “القانون حظي بتأييد في لجنة التوافقات لكن المعارضة غيّرت رأيها في الجلسة العامة وصوتت ضد القانون”. وتابع “أخلاقيا غير مقبول لأنه كان محل إجماع”. وأضاف “سوء تنظيم من قبل البرلمان الذي حدّد تاريخا للمصادقة على القانون غير مناسب حيث تغيّب عدد هام من نواب حركة النهضة”.

وحمّل النائب عن نداء تونس حسن العماري مسؤولية عدم توفر النصاب في الجلسات العامة وسقوط مشروع القانون إلى حركة النهضة نتيجة تواجد 20 نائبا من كتلة الحركة في تركيا.

ورغم وقوع إدارة البرلمان تحت تأثير التجاذبات السياسية،  إلا أن جلاد أكد أنه سيجري تدارك لما وقع، ووعد بتمرير القانون خاصة أنه يُسمح بثلاثة أشهر إضافية لتحديد مصيره.

واعتبر القيادي في حركة النهضة محمد بن سالم في تصريح لـ”العرب” أن “الخطأ هو خطأ الإدارة بمجلس النواب. كنا منهمكين بمشروع قانون الموازنة على مدى ثلاثة أسابيع متتالية نشتغل صباحا مساء، لكننا تفاجأنا ببرمجة مشروع قانون التقاعد في هذا التاريخ الذي صادف سفر نواب من حركة النهضة إلى تركيا.”

ولم يستبعد بن سالم أن تكون المعارضة تعمّدت عدم تمرير القانون لوضع الأغلبية في مواقع سيئة. وأشار إلى أن “رئيس البرلمان ينتمي إلى نداء تونس وهذه الكتلة مستفيدة إن لم تمرر الأغلبية القانون.”

وانتقدت أحزاب المعارضة مشروع قانون التقاعد واعتبرت أن المشروع لا يحل أزمة الصناديق الاجتماعية، واصفة إياه بـ”أنصاف الحلول” التي تسهم في تعميق الأزمة بدل الخروج منها. واعتبر النائب عن حركة الشعب زهير المغزاوي، أن الترفيع في سن التقاعد سيفاقم من مشكلة البطالة ومن الأزمة المالية للصناديق الاجتماعية.

وقال النائب عن الجبهة الشعبية الجيلاني الهمامي، إن قانون التقاعد يعكس تمشيا متسما بالكثير من الإرباك والتسرع، وتابع بقوله “غابت عنه الرؤية الاستراتيجية التي تساهم في الخروج من الأزمة العميقة التي تعيشها الصناديق، كما يحتوي على إصلاحات تتضارب مع مصلحة المتقاعدين”.

وتواجه الصناديق الاجتماعية في تونس صعوبات مالية، وهي من بين الملفات الخلافية التي تعمل الحكومة على وضع خطط إصلاحية بشأنها. وكان رئيس الحكومة قدّر العجز بنحو 100 مليون دينار شهريا يتم صرفها من قبل الحكومة، ما يمثل ضغوطا إضافية على المالية العمومية.

وأقرت الحكومة اقتطاعات من الأجور بنسبة واحد بالمئة في قانون المالية لعام 2018 كمساهمات للصناديق الاجتماعية، لكن هذا الإجراء لا يوفر السيولة اللازمة لتغطية العجز.

2