التجارب طوعت أسواق العالم للتأقلم مع المفاجآت العسكرية

محللون يرون أن تداعيات توترات المنطقة على التجارة الدولية محدودة وستكون مجرد زوبعة في فنجان سرعان ما تزول.
الجمعة 2020/01/10
الترقب سيد الموقف

يجمع محللون على أن الأحداث العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون لها أي تأثير يذكر على نشاط الاقتصاد العالمي. ويؤكدون أن المستثمرين وحكومات الدول أصبحت لديهم قناعة بأن المفاجآت العسكرية أو التطورات الجيوسياسية في أي منطقة ستكون مجرد زوبعة في فنجان سرعان ما تزول، وذلك بالنظر إلى التجارب السابقة التي شهدتها الأسواق خلال العقود الثلاثة الماضية.

لندن - استبعد محللو أسواق المال تضرر الاقتصاد العالمي من تفجر النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وقالوا إن نجاح الدول في اجتياز هذه المشكلة يبدو أكثر ترجيحا.

وأدت الهجمات الإيرانية على قواعد عسكرية أميركية في العراق إلى ارتفاع الذهب عن مستوى 1600 دولار للأوقية (الأونصة)، والين الياباني بنحو واحد بالمئة، وأسعار النفط بثلاثة دولارات للبرميل.

لكن الإقبال الشديد على الذهب كملاذ آمن للاستثمارات لم يستغرق سوى ساعات قليلة سرعان ما عادت بعدها الأسهم العالمية إلى الارتفاع من جديد.

ويرى محللون أن ذلك الأمر هو التحول الثاني من نوعه خلال أقل من أسبوع في أعقاب نمط مماثل من الأحداث بعد أن قتلت الولايات المتحدة القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني الجمعة الماضي. وبالمثل شهدت الأسواق العالمية تحولا فائق السرعة عقب تعرض منشآت نفطية سعودية للهجوم في سبتمبر الماضي، قد تسبب في تقلص الإمدادات لأسواق الطاقة بشكل مؤقت.

رباني وهاب: كلما كانت الحرب طويلة يعزز الإقبال على السندات الحكومية
رباني وهاب: كلما كانت الحرب طويلة يعزز الإقبال على السندات الحكوميةtock market

ويبدو أن أسواق المال لن تشهد أثرا دائما لحدث يقل عن حرب عالمية كاملة بين قوتين مسلحتين بالقدرة النووية، بل إن تساؤلات بدأت تطفو على السطح لدى البعض حول التداعيات المحتملة حتى إذا حدث هذا السيناريو. وبحلول موعد إغلاق الأسواق الأوروبية الأربعاء الماضي كانت أسعار النفط قد عادت إلى ما دون المستويات، التي كانت عليها قبل مقتل سليماني.

وفي هذه الأثناء، ارتفع مؤشر الأسهم ستاندرد آند بوزر 500 إلى مستوى قياسي جديد في وول ستريت. ومن الواضح أن المستثمرين يعتقدون أن طهران وواشنطن ستتحاشيان توسيع المواجهة العسكرية بينهما في الفترة المقبلة.

وقد ثبت في السنوات الأخيرة أن تفجر الأوضاع عسكريا على مستوى إقليمي فقط ليس له أثر باق سواء على إمدادات النفط أو الأسعار أو النشاط الاقتصادي العالمي. وكدليل على صحة تلك الرؤية لم يكن للهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية أثر دائم على أسعار النفط الخام.

وخارج منطقة الخليج لم تتصاعد الاختبارات النووية أو الصاروخية في كوريا الشمالية حتى الآن، ولم تؤثر على أنماط الاستثمار الدولي لأي فترة تذكر من الوقت. وفي ضوء ذلك يراهن المتعاملون والمستثمرون على تكرار هذا النمط من السلوك لا على تعلل من تعوزه الخبرة بالأحداث الجيوسياسية.

ونسبت وكالة رويترز للخبير الاستراتيجي في بنك سوسيتيه جنرال كيت جوكس قوله إن “السوق أخذت بوجهة نظر قائمة على خبرات عقد من الزمان أن الأمر لن يتصاعد إلى ما يخرج عن نطاق السيطرة”.

وأضاف “الحال هو نفسه مع الاقتصاد. فقد شهدنا دورة اقتصادية بدورات مصغرة منذ 2008 لكن لم يحدث ركود. شهدنا حروبا تجارية لم تتحول فعليا إلى حروب تجارية حقيقية لكنها تتأجل باستمرار”.

وقد استطاع المستثمرون الذين تمسكوا بالأسهم وتطلعوا لما يتجاوز أزمات الديون الأوروبية والاختبارات الصاروخية الكورية الشمالية وانتفاضات الربيع العربي والحروب التجارية واضطرابات الشرق الأوسط والسياسات الاقتصادية غير المألوفة أن يحصدوا عوائد كبيرة إذ زادت قيمة الأسهم على المستوى العالمي بما يفوق 25 تريليون دولار منذ العام 2010.

وفي مؤشر للمخاطر الجيوسياسية قال الباحثان داريو كالدارا وماتيو إياكوفيلو بمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) إن تصنيف الهجمات السعودية يبلغ 185 نقطة وهو مستوى مرتفع نسبيا غير أنه أقل كثيرا من مستوى الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003 والذي سجل 545 نقطة.

وعلى مدى سنوات كانت أسعار الطاقة هي الآلية الرئيسية لتوصيل تداعيات الصراعات الكبرى، ولاسيما في الخليج، إلى الاقتصاد الأوسع والأسواق العالمية.

أسواق المال تحافظ على مستوياتها رغم التوترات 
أسواق المال تحافظ على مستوياتها رغم التوترات 

وظل خطر تعطل إمدادات النفط ظلا يلازم الاقتصاد العالمي منذ قفزت أسعار النفط إلى أربعة أمثالها خلال حظر أوبك النفطي عام 1973 وعندما قفزت الأسعار 30 بالمئة في العام 1990.

غير أن قفزات أسعار النفط تبدو أقصر هذه الأيام. ويعكس ذلك في جانب منه الطبيعة المتغيرة لاستخدامات النفط والمصادر الجغرافية للإمدادات.

وأصبح بوسع منتجي النفط الصخري الأميركيين الآن زيادة إنتاجهم للتعويض عن ارتفاعات الأسعار الناجمة عن اضطراب الإمدادات من منطقة الخليج بغض النظر عن السياسة المحلية أو تصرفات منظمة أوبك في حين أن زيادة موارد الطاقة المتجددة وسط المخاوف المتعلقة بالتغير المناخي تحدث بوتيرة سريعة.

ويشير بول دونوفان من وحدة يو.بي.أس ويلث إلى أن التطورات التكنولوجية تعني أن أي إضافة للناتج المحلي الإجمالي العالمي اليوم تحتاج لقدر أقل بكثير من النفط.

كما ركز دونوفان على أن الدول المنتجة للطاقة في 1973 ادخرت إيرادات النفط الإضافية مما تسبب في صدمة للطلب الاقتصادي العالمي عند سحب هذه الأموال من خزائن مشتري النفط.

سلمان أحمد: طبيعة أسواق العالم من حيث العرض والطلب تغيرت
سلمان أحمد: طبيعة أسواق العالم من حيث العرض والطلب تغيرت 

وقال “في 2020 ينفق بائعو النفط حصيلة البيع… ولذا فإن ارتفاع سعر النفط لا يعني انخفاضا كبيرا في الطلب الاقتصادي أو أي شكل ممكن من الهبوط”.

وبالطبع كانت الحروب والاجتياحات دافعا للتحركات الكبرى في الأسواق في ما مضى، الأمر الذي تسبب في حالات ذعر على نطاق كبير وإقبال على شراء الأصول المأمونة في حالات الخوف من تقلب ثقة قطاع الأعمال وحركة التداول وأسعار الطاقة.

لكن تجارب العقود الأخيرة أثبتت أنه إذا تساوت كل الأمور فإن الأسواق تميل إلى التعافي بسرعة وإن مديري المحافظ من أصحاب الجرأة على اجتياز الاضطرابات قصيرة الأجل يحققون أداء طيبا حتى دون تحوط مرتفع التكلفة.

وأكد تقرير صدر مؤخرا لمؤسسة شرودرز أن حرب الخليج في عام 1990 وهجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك واجتياح العراق عام 2003 كانت أبرز الأحداث التي مثلت خطرا جيوسياسيا كبيرا في العقود الثلاثة الأخيرة..

وفي 2003 هوت عوائد السندات الحكومية الألمانية، وهي من أكثر الاستثمارات العالمية استحواذا على الثقة، بنحو 70 نقطة أساس بين مارس ويونيو. وكانت قد انخفضت بقدر مماثل في 1990.

وقال رباني وهاب مدير المحافظ لدى لندن آند كابيتال “عندما تنظر إلى العقود القليلة الأخيرة من التاريخ تجد أنه كلما كانت النتيجة الأرجح هي حرب مطولة يحدث الإقبال على السندات الحكومية”.

كما أشارت مؤسسة شرودرز إلى أن محفظة من الأصول “المأمونة” التي تضم السندات والذهب عادة ما يفوق أداؤها أداء الأسهم “ذات المخاطر الأعلى” خلال فترات الخطر الشديد.

غير أنها وجدت أيضا أن الأسهم تعافت في غضون أشهر في تلك الحالات كلها، الأمر الذي يشير إلى أنه “إذا كان المستثمرون مستعدين أو قادرين على تجاهل التقلبات فإن الاستثمار في المحفظة الأكثر مخاطرة يمثل استراتيجية أفضل من الاستثمار في محفظة مأمونة”.

وقد تغير سياق الأحداث في الأسواق نفسها أيضا على مدار العقود ولاسيما بفعل السنوات التي ظلت أسعار الفائدة فيها قرب الصفر وكذلك طباعة النقد من جانب البنوك المركزية، مما أدى إلى تضخم أسعار السندات ذات الجودة العالية وقلل تكاليف الاقتراض وخفض المتاح للمستثمرين.

كما ارتفعت الأسهم بفضل عمليات إعادة شرائها من جانب الشركات ووفرة التمويل الخاص الأمر الذي قلل المعروض من الأسهم بمرور السنين.

وفي ضوء تنبؤ بنك جيه.بي مورغان الأميركي بأن معروض الأسهم سينخفض بقيمة 200 مليار دولار أخرى هذا العام، اقتنع عدد كبير من المستثمرين بأن أي عروض رخيصة تمثل فرصة للشراء.

وقال سلمان أحمد كبير خبراء استراتيجيات الاستثمار في بنك لومبارد أودييه لرويترز “طبيعة الأسواق من حيث العرض والطلب تغيرت بالكامل”.

وأضاف “قللت البنوك المركزية معروض الأصول المأمونة وامتد أثر ذلك إلى الأصول ذات المخاطر. وتلك قوة شديدة الفاعلية”.

10