التجارة الموازية تهدد سوق الرباع بصفاقس التونسية

الثلاثاء 2015/04/21
سوق الرباع، يزخر بصناعات النسيج التونسية العريقة، رغم ترويج المنتجات المهربة

داخل الأزقّة الضيّقة للمدينة العتيقة بمحافظة صفاقس، جنوب تونس، تتربع سوق الرباع بشموخ يعود إلى تأسيسها قبل ما يزيد عن ألف ومئة عام، مكتنزة بمنتجات متنوّعة يعرضها تجار المدينة أمام دكاكينهم المتلاصقة، ذات الأقبية الحجرية والأشكال المتناسقة الضاربة في القدم. ومع ذلك فالسوق تئنّ بما يروج فيها اليوم من تجارة موازية وسلع مهرّبة.

يصف يوسف الشرفي، وهو من مؤلفي معجم الكلمات والتقاليد الشعبية بصفاقس، سوق الرباع بكونه “من أقدم الأسواق الموجودة بالمنطقة، حيث يتزامن تاريخ تأسيسه مع تأسيس المدينة العتيقة عام 849 للميلاد”.

ويقع السوق على رقعة جغرافية مرتفعة، بعيدة نحو 300 كلم جنوب العاصمة التونسيّة، وهو عامل طبيعي أضاف إليه جمالا وجعله قبلة التجار ومقصد العائلات والرحلات الترفيهية.

ويفيد الشرفي: أنّ “تسميات عديدة أطلقت على سوق الرباع على غرار سوق الرهادرة (الرهدار في اللغة الفارسية هو بائع القماش)، وسوق اللفة (القماش)، حيث تميّز هذا السوق بتصديره للقماش باتجاه مدن الشرق”.

أما التسمية الحالية للسوق (الرباع) فإن المقصود بها، حسب المؤرخ أبوبكر عبدالكافي (1918-1986) صاحب كتاب “تاريخ صفاقس”، هو “انقسام السوق إلى 4 أجزاء وهي الربع السفلي والربع العلوي والربع الشاسع والربع الضيق، وكل منها يعرض بضائع معيّنة”.

ومن المؤرّخين من أعاد هذه التسمية إلى طريقة الجلوس التي كان يعتمدها الباعة والتي تسمى “التربيعة”، ومنهم من قال إن أصل التسمية يعود إلى دفع التجار بسوق الرباع لربع المداخيل التي يحصدونها كضرائب لصالح الدولة.

واسترسل الشرفي بأنّ “سوق الرباع من بين الأسواق التي حظيت بالعناية اللازمة لمواصلة حفاظها على طابعها وخصوصيتها التجارية، ومجاراة التطوّرات العصرية في مجال الأقمشة والملابس، ممّا جعل منه قبلة لـلزوار والحـرفاء من داخل تونـس وخارجـها”.

وتتوفر العديد من السلع بالسوق على غرار الملابس التقليدية النسائية كـ”السفساري” (وهو لباس تقليدي ترتديه المرأة التونسية قديما عند خروجها من المنزل) والملابس بمختلف أنواعها وأصنافها، بالإضافة إلى العطور التي تملأ أرجاء السوق و”الشاشية” وهي القبعة التونسية الشهيرة ذات اللون الأحمر المميّز.

وإلى جانب هذه المنتجات التقليدية التونسية، غزت سوق الرباع، حلال السنوات الأخيرة، منتجات مشرقية قادمة من أسواق عديدة كالسوق التركية والسورية، فتجار السوق أصبحوا حريصين على توفير كلّ ما يطلبه الزبائن، مما جعل المكان يحوي مزيجا من الثقافات المختلفة في شكل ملابس وبضائع متنوّعة.

ويمثل فصل الصيف موسم الربح بالنسبة إلى التجار، حيث تكتظ السوق بالزائرين والعائلات التونسية القادمة من مدينة صفاقس وضواحيها، ومن جنسيات مختلفة وخاصة من مواطني الجوار الليبي والجزائري، فيتهافت جميعهم على اقتناء حاجيات المناسبات ومستلزمات الأفراح من أعراس وحفلات ختان بأقل الأثمان الممكنة.

أما السياح الأجانب، فيكتفون بالتمتع والتجوال والتقاط صور للذكرى، وكذلك اقتناء منتجات تقليدية بسيطة وخفيفة الوزن، ممّا قد لا يجدون مثلها في أيّ سوق أخرى.

يذكر أن قطاع الملابس والصناعات التقليدية يكتسي أهمية قصوى في محافظة صفاقس، حيث يوفر عشرات آلاف فرص العمل ويشكل مصدرا أساسيا للرزق لعائلات كثيرة في المنطقة.

ومع ذلك يشكو هذا القطاع من مشاكل لا تزال تلاحقه منذ سنوات، وأهمها دخول التوريد العشوائي للسلع المختلفة، ممّا تسبّب في إغراق السوق بسلع تفتقر للجودة وتتميّز بانخفاض حاد في أسعارها، وهو ما أثر سلبا على عدد كبير من المؤسّسات والتجار الذين ناشدوا السلطات المعنية للتدخل وإنقاذ السوق والقطاع بصفة عامة.

ويقول عبدالوهاب الخراط، رئيس غرفة صناعة الأحذية التقليدية بصفاقس، إنّ “استفحال ظاهرة التجارة الموازية، بات يشكل خطرا كبيرا على المستويين الفردي والجماعي وعلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة، وكذلك على أداء الدولة التنموي وواقع المجتمع الحياتي”.

ويوضح الخراط أنّ التسويق المتزايد للبضائع المهرّبة “تسبّب في التقليل من الكميات المعروضة في الأسواق المنظمة قانونيا، وتبعا لذلك ترتفع الأسعار حسب قاعدة العرض والطلب، مما ينعكس سلبا على المقدرة الشرائية للمواطنين عموما، ولذلك وجب اتخاذ جملة من الخطوات لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة”.

ويضيف أنّ من تلك الخطوات ضرورة “تفعيل الأبعاد التربوية والثقافية والإعلامية والقانونية والأمنية، بالاعتماد على التنسيق في أعلى مستوى بين وزارات الصناعة والصحة والتجارة والداخلية والمالية والتربية والشؤون الدينية وتوفير الأمن والرقابة العامة على الحدود وإرساء منظومة عادلة”.

كما يؤكد أنه “لا بد من تنظيم السوق الموازية عبر التدرج في الإجراءات، مع تفكيك الشبكات المنظمة لهذه التجارة وتطبيق القانون عليها بكل صرامة”.

وكثيرا ما يسمّي التونسيون محافظة صفاقس بالعاصمة الاقتصادية، تجسيدا لدورها الاقتصادي البارز في البلاد، فهي تعدّ قاعدة أساسية لصناعة النسيج والملابس والمواد الاستهلاكية وحتى للصناعات الميكانيكية والخشب ومواد البناء والخزف والبلور والجلد والأحذية وسائر الصناعات التقليدية، غير أنّها تشكو كغيرها من المنافسة اللاشرعية للتجارة الموازية المعتمدة على التهريب أساسا.

20