التجارة.. سيرة سيئة

السبت 2014/01/04

التجارة ترمز إلى كل ما يُباع ويُشترى، إلى كل ما يُعرض للبيع ولا يُشترى، إلى كل ما يُشترى ولكنه غير معروض للبيع، إلى كل ما فقدناه من مال أو بضاعة، إلى كل ما ربحناه في صفقة تجارية، أو في صفقة الحياة الكبرى، المحيرة. في التجارة، كل تجارة يخيّم ظل الخسارة والفقدان.

وقد زاد من تعقيد وصعوبة هذا المفهوم صيغته الكونية الحالية، مع تزايد الحروب في كل مكان، وبكل الأدوات والأسلحة. ومع تفاقم الحروب بدأنا نسمع مفهوما آخر للتجارة دخل إلى المعجم المعاصر، هذا المفهوم هو “تجارة الحرب” أو “تجّار الحروب”. والغريب في تجارة الحرب هذه أن هناك تجارا يرفضون أجرا جزاء الحروب التي يخوضونها، أو على الأقل هم يشيعون ذلك. ومن يرفض أجرا على عمله فهو يقبل الهدايا التي تكرمه، كما يكرمه الله في نفس الآن. هنا نصبح أمام مجالي الفكر والإيمان وليس أمام مجال التجارة. وما يرفع من قيمة ذلك هو العداء المكين بين المجال الفكري والمجال التجاري منذ القدم. فأثينا، مدينة الفلاسفة والشعراء، حرمت التجّار من صحبة الرجال الأحرار. فـ”غاية التاجر أن يشتري ويبيع للآخرين، إن له شأنا مع النافع لا مع القول والتدبير” كما يقول الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور”.

إن هناك عداوة بين المعاملات الفكرية والمعاملات التجارية، التي بقيت تعتبر منذ قرون بعيدة مهنة أو صنعة خطيرة، غير أنها ضرورية. وبعض الثقافات القديمة اعتبرت التاجر، المرابي مثلا، شخصا يبيع الزمن بعدما سحبه من انتمائه إلى الله. لذلك بقيت صنعة التجارة ضمن ممارسة الغرباء. وهذا أمر صحيح، ففي الحروب يتدخل تجار ليسوا محاربين ولا مخططين فكريين للحرب، بل غرباء عن الميدان رغم ارتباطهم به على مستوى الصناعة، وبيع الانتصارات.

ضمن هذا المفهوم ننظر إلى الربيع العربي الذي تتدخل فيه كل أنواع التجارة، من بيع الأسلحة، أو منحها، كما تفعل روسيا وإيران ضمن دعمهما للنظام السوري. أو بيع الزمن، المسحوب من تدبير الله، قصد تأخير نجاح الثورة وإعطاء برهة زمنية لتتنفس الأنظمة الشمولية التي تخوض حروبها ضد شعوبها. وحقيقة هؤلاء التجار قد تصدر عن أنفسهم، فقد أجاب أحد تجار الحروب، حين سئل عن مضمون عمله: لقد تعرفت على نفسي تاجرا. أي أنه منذ خلق وهو يمارس التجارة، دون أن يحدد مجال تجارته أو بضاعته. وهذا استعمال عفوي للتعرف على الشيء الصميمي في الذات. كما أنه استعمال يقرن مباشرة بين القول والفعل. فلا يمكن تصور تجارة دون فعل تجارة. ومباشرة حين تسمع بتاجر حرب، تقفز إلى ذهنك صفقات الأسلحة والأطعمة وخيام السكن والألبسة، في الجانب المادي. وصفقات بيع وشراء الزمن، وتأخير النصر أو الهزيمة، في الجانب المعنوي. غير أن علينا ترجيح كفة المعنوي، لأنه خطة عقلية ينتظر فيها التاجر اللحظة التي تمنح النصر، وهي لحظة الدفعة الحاسمة. وهذه لحظة يتدخل فيها السلاح والإعلام أيضا، الذي يكون قد رافق الحرب منذ البداية. تلك هي لحظة الحدث الأكبر التي ننتظرها جميعا. التجارة ليست سيئة إلى هذا الحد، لكن هذه هي الصورة التي تقدم نفسها عبرها كل يوم.

كاتب مغربي

9