التجاوزات على ممتلكات الدولة العراقية في قلب معركة الانتخابات المحلّية

ظاهرة العشوائيات والتجاوزات لها علاقة بتراجع هيبة الدولة وتعاظم سلطة الميليشيات.
السبت 2019/09/21
متجاوزون ساعون إلى الإثراء السريع ينافسون الباحثين عن سقف يؤويهم

بغداد - تحوّلت حملات لإزالة التجاوزات على ممتلكات الدولة والمجمّعات السكنية العشوائية في ثلاث مدن عراقية، بينها العاصمة بغداد، إلى مادة لجدل سياسي شارك فيه كبار الساسة ورجال الدين قُبيل انتخابات محلية تجري الربيع القادم ويُعتقد أنه سيكون لها دور في إعادة تشكيل ملامح الخارطة السياسية.

وكشفت آخر إحصائية أصدرتها وزارة التخطيط العراقية عن وجود 3700 مجمّع سكني عشوائي في عموم محافظات العراق.

وانتشرت منذ عام 2003 المجمّعات السكنية المتجاوزة عشوائيا في مختلف مناطق العراق بسبب الأزمة في قطاع الإسكان وصعوبة الحصول على منزل أو شقة أو قطعة أرض لإقامة مسكن.

ويقول متعاملون في سوق العقار إن أثمان المنازل والشقق في مركز العاصمة بغداد وبعض المدن العراقية لا تختلف عن أثمان المنازل والشقق في لندن أو دبي على سبيل المثال.

وبسبب الضعف الكبير في أجهزة الدولة وعجزها عن فرض القانون، امتدت حالات التجاوز لتشمل مواقع تجارية وحيوية ولم تعد تقتصر على السكن، بل دخلت في باب الاستثمار.

وبعد صعود نجم قوات الحشد الشعبي سنة 2014 إثر اجتياح تنظيم داعش أجزاء واسعة من البلاد، استغلت فصائل وميليشيات مسلحة ضعف الأجهزة الأمنية وحوّلت مبانيَ حكومية وساحات خضراء إلى مواقع عسكرية باعتبارها مقرات رسمية لها، ووزعت أجزاء منها كقطع أرض سكنية لأعضائها، وحوّلت أجزاء أخرى إلى مواقف للسيارات تؤجر شهريا بمبالغ طائلة، أو أنشأت عليها معامل لتنقية المياه، كما باعت أجزاء لتجار التجزئة ليبنوا عليها أسواقا كبيرة خارج نطاق القوانين.

لكن الأشهر الأخيرة شهدت تحوّلا كبيرا في هذا الملف شمل ثلاث مدن هي بغداد والبصرة وكربلاء، وسط توقعات بأن تمتد حملة إزالة التجاوزات إلى محافظات جديدة.

وعلى سبيل المثال، شن جهاز “أمانة بغداد” المسؤول عن الخدمات البلدية في العاصمة العراقية حملة لإزالة تجاوزات واسعة أقامها تجار وباعة في شرق وغرب العاصمة. كما أزال دورا سكنية بشكل كلي بعدما ثبت أنها شيدت في حدائق عامة.

وتقول مصادر في أمانة بغداد إن التفريق بين أعضاء في أحزاب وميليشيات متنفذة تجاوزوا على أراض ومبان حكومية وسيطروا عليها واستثمروها، وبين فقراء اضطروا إلى التجاوز لأنهم لا يملكون سكنا هو أمر صعب للغاية، مضيفة أن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي وجه بالتثبّت من حقيقة حاجة الشخص المتجاوز إلى السكن، قبيل إزالة منزله.

وتوضح المصادر أن بعض الأحزاب والميليشيات حولت دوائر حكومية كبيرة إلى مقرات لها، مستفيدة من التغاضي عن التجاوز في الأحياء العشوائية الفقيرة.

الميليشيات حوّلت التجاوز على ممتلكات الدولة من ضرورة تمليها على الفقراء صعوبة الحصول على سكن، إلى وسيلة للإثراء

ويقول المتحدث باسم وزارة التخطيط عبدالزهرة الهنداوي إنّ العاصمة العراقية بغداد تضم وحدها أكثر من ألف مجمّع سكني عشوائي. وأعلنت أمانة بغداد أنها أزالت أكثر من 50 ألف تجاوز في جانبي الكرخ والرصافة من العاصمة خلال الأشهر الخمسة الماضية.

وقالت إن “مديرية حراسات وأمن أمانة بغداد، بالتعاون مع الدوائر البلدية وبالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد، نفذت حملات يومية في عموم العاصمة بغداد أزالت خلالها دورا سكنية متجاوزة ومواقع لغسل السيارات وبيع المواد الإنشائية”، مضيفة أن “الحملات شهدت أيضا مصادرة ممتلكات باعة الأغنام والجزر العشوائي وحجز متجاوزين وغلق مرائب لوقوف السيارات ومعامل لتصفية المياه وإزالة مواقع للباعة الجوالين وأخرى لبيع الفواكه والخضر”.

ودفعت حملة مماثلة في مدينة البصرة جنوب العراق رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر إلى مطالبة الحكومة المحلية بالتريث.

وقال الصدر إن “هدم منازل الفقراء قبيح أخلاقيا وشرعيا”، مطالبا بإيجاد بدائل للسكان، قبل تهديم منازلهم.

ودعا الصدر الحكومة المحلّية بالبصرة إلى البدء في “إنشاء الأحياء السكنية مع كامل البنى التحتية والملحقات الحياتية الضرورية، ثم نقل الأهالي إليها وأخذ البيوت والمحال وغيرها من التجاوزات”، مطالبا بأن “تشتمل الحملة على مداهمة الفاسدين الذين اغتصبوا منازل الفقراء والمسيحيين واستولوا على الأراضي والمزارع والمعامل وما شاكل ذلك لتكون الحكومة عادلة في قراراتها”.

ورد محافظ البصرة أسعد العيداني على الصدر قائلا، إن الحملة طالت التجاوزات التجارية ولم تهدم منازل الفقراء.

وخاطب العيداني الصدر قائلا إن “إزالة التجاوزات لا تشمل الفقراء وإنما شملت التجاوزات التجارية على المناطق الخضراء والتجاوزات العشوائية على الشوارع والأرصفة”، مؤكدا أنه في المقابل وقّع على أمر إنشاء ألف وحدة سكنية جديدة، لإيواء المتجاوزين الذين هدمت دورهم.

وفي كربلاء، طالب زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، بإيجاد بديل للمتجاوزين قبل تهديم دورهم.

ويقول مراقبون إن الاهتمام بملف التجاوزات يكتسي صبغة انتخابية، إذ كثيرا ما وعد الساسة سكان الأحياء العشوائية بالتمليك إذا ما صوتوا لهم، من دون أن يفي أي سياسي بوعده لصعوبة نقل ملكية العقارات من الدولة إلى الأفراد.

3