التجديد الثقافي والسياق المعرفي

الجمعة 2015/09/04

انتشرت في الآونة الأخيرة دعوات كثيرة للتجديد وضرورة التغيير الاجتماعي، وتعزيز الفعل الثقافي، على إثر الأحداث الدامية التي تشهدها المنطقة العربية برمتها، ولكن هناك أسئلة أساسية بقيت بعيدة، لا يقترب منها المثقف العربي لأنها تمس ذاته: ما الجديد الذي نريد؟ ومن الذي يستطيع تحديده؟ أهو السياسي، أم الاجتماعي، أم الأديب والفنان، أم المثقف؟ وهل يستطيع المثقف الحالي تحديد هوية هذا الجديد، وهو نتاج للسياق المعرفي الثقافي الممتد منذ وجوده إلى الآن؟ وما هو مسار التجديد الذي نتوخاه؟

عادة يتوجه المثقف، في فعله النقدي، من ذاته التي يعدها ذاتا عارفة وقادرة على التأثير إلى المجتمع بوصفه موضوعا للتغيير، لكن السؤال الجوهر والأكثر جرأة: هل يستطيع هذا المثقف الذي يعد مُنْتَجا للسياق المعرفي أن يغير هذا السياق؟

أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون جديدة وواعية لتناقض ذات المثقف وخرابها، ليقر أن مسار فعل التغيير يجب أن يتجه من هذه الذات إليها، بمعنى أن يحمل المثقف معول الهدم المعرفي البَناء، بكل جرأة وثورية، ويوجهها نحو ذاته، بوصفها مُنْتَجا معرفيا ثقافيا لسياق يحمل كل التناقض والاصطراع الذهني الفكري النظري، الذي يتجسد في نظرية الفعل الثقافي وانعزاله عن الوجود العياني، إذ غالبا ما يدور هذا الفعل في الوجود اللغوي فقط.

على المثقف الاعتراف بأنه جزء من الخراب الثقافي، وأن عليه الإسهام في بناء شخصية عربية جديدة، تبدأ في فضاء الوجود الفعلي العياني وليس اللغوي النظري، وتحديدا في حقل التعليم، الذي يشمل جميع المجالات المعرفية ويحدد مساراتها لدى الشخصية المنشودة.

إن الموضوع المشكل الأساسي الذي يواجه فعل التغيير الثقافي يتمثل في مفهوم الثقافة من وجهة النظر العربية، إذ غالبا ما يحشر في زاوية الأدب والفن، كما نرى في أغلب الوسائل الإعلامية التي تسمي أقسامها الأدبية الفنية بالقسم الثقافي، حتى أصبح هذا المفهوم، في الوعي الجمعي العربي، مرتبطا ارتباطا عضويا بالأديب والفنان فقط، في الوقت الذي يجب أن يتم التعامل معه على أنه مفهوم شمولي يرتبط بالسلوك، بوصف هذا الأخير تعبيرا نهائيا عن ثقافة الفرد أو المجتمع.

هذه الرؤية الشمولية للثقافة تضع التعليم في بؤرة التغيير والتجديد الثقافي، على اعتبار أن التغيير مشروط بالضرورة بالزمن والتراكم المعرفي، فهو غير مرتبط بالمدى المنظور أو المتوسط، وإن كان يشملهما ضمن الفعل التراكمي المرحلي، فبناء شخصية عربية جديدة تمتلك مفاتيح التحول الواعي لا بدّ له من زمن طويل يحتضن الفعل المتتابع خطيا نحو الهدف الأساس، فهل قدم المثقف العربي رؤية واعية ومنهجية للفعل الاجتماعي، أم بقي في دوائر الخطاب الدعوي الذي لا يقدم إلا أمنيات لغوية فقط؟ ولكن، هل يبدأ التغيير بقرار؟ ومن صاحب هذا القرار: الدولة، أم المثقف الفرد، أم الفعل الثوري؟

تبقى الأسئلة معلقة بين الواقع العربي القائم، بكل ما يحمله من تيه في الرؤى وتنظير غير مؤثر ولا يأخذ بالتراكم المعرفي منهجا وسبيلا للتغيير الثقافي، وبين الطموح الفردي الذي لم يتطور ليصبح فعلا جمعيا يخرج بالتغيير من حيز القول النظري إلى القرار والفعل.

شاعر من فلسطين مقيم في القاهرة

14