التجديد الفكري في مجال الدين سبيل مواجهة قوى الظلام والتخلّف

الأربعاء 2015/02/25
تجديد الخطاب الديني يسد الطريق أمام نشوء الحركات المتطرفة مثل «داعش» و«بوكو حرام» وغيرهما

تجديد الخطاب الديني مسألة طفت على الساحة الفكرية والدينية في العالمين العربي والإسلامي، مؤخرا، نتيجة صعود الجماعات المتطرفة والجهادية وزيادة أعمالها الإرهابية تجاه المسلمين وغيرهم، وهذا ما جعل المفكر المصري حسن حنفي يثير مسألة التجديد هذه في علاقتها بنظرة علماء الدين لها، معتبرا إياهم أحد عوامل تعطيل هذا المسار في محاولة للإبقاء على نظرة التقليد التي تشد تفكيرهم.

التجديد في الخطاب والمعرفة والتعامل مع النصوص الدينية وفق رؤية معاصرة هو ما سيساهم في بلورة رؤية جديدة للنص الديني تتماشى ومتغيرات واقع المسلمين في علاقتهم ببعضهم وبغيرهم. وهذا ما جعل حسن حنفي يطرح هذه المسائل في ندوة على هامش معرض القاهرة للكتاب.

وأكد حنفي في الندوة التي أدارها أنور مغيث، مدير المركز القومي للترجمة في مصر، أن تجديد الخطاب الديني يبدأ بحياة الناس والواقع الاجتماعي، وأن الفقه الإسلامي كان قائما على التعددية، وأن الدين ليس له رجال أو سلطة. وقال حنفي إننا نعيش مجتمعا أحاديا، يؤمن بأن من يملك القوة والسلطة هو على حق وما عداه على ضلال، كاشفا عن الانقسامات التي تطال تجديد الخطاب الديني ومؤكدا على أن علماء الدين هم من يقفون حائلا ضد ذلك بل ويحاربون المستنيرين منهم والعلمانيين والمثقفين الذين يحاولون ذلك.

وناقش حنفي قضية الألفاظ والمعاني وأثرها، لافتا إلى ضرورة البحث عن دلالات ومعان جديدة لها طبقا للعصر، وقال إن غلبة التحريم على التحليل تجعل العالم موضع شك دائم وتنزع الثقة منه، وأن كثرة الوجوب أو التحريم قد تؤدي إلى الكبت أو العزلة عن العالم أو الخوف منه أو التحول إلى الإرهاب واستعمال العنف ضد المخالفين.

وأوضح حنفي أن الحديث كثر في الآونة الأخيرة عن تجديد الخطاب الديني، وقد شارك فيه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بداية حتى يفتح المجال لنقد حركات الإسلام السياسي بمختلف أنواعها ومرجعياتها الفكرية. وما دام الرئيس قد شارك فيه، فالموضوع أصبح منطقة أمان، يستطيع كل كاتب أن يشارك فيه باسم التجديد والتنوير ومواجهة قوى الظلام والتخلف.

حسن حنفي: نعيش في مجتمع يؤمن بأن من يملك القوة على حق وما عداه على ضلال

وأضاف أن “علماء الدين ـ وليس رجاله لأن الدين ليس له رجال أو سلطة ـ يقبلون الدخول في هذا النقاش على مضض لأن الدين لا تجديد فيه، لغة أو موضوعا، شكلا أو مضمونا. ولغته لا تتغير لأنها لغة القرآن، والقرآن هو كلام الله الذي لا تغيير فيه. بل إنهم هم الرافضون لأيّ محاولة لفعل ذلك من العلمانيين الذين يتآمرون على الدين بداية بالقطيعة معه وتغيير لغته كما فعل الغرب في عصوره الحديثة، بل ويكفّرون من يقوم بذلك، لأنه هدم للدين من الداخل وترويج للعلمانية حاملة الكفر والإلحاد. ويقوم بذلك العلمانيون وهم غير متخصّصين، إذ أنهم يريدون استبعاد الدين من الحياة اليومية لتأسيس المجتمع المدني، كما فعل الغرب. فالدين لله والوطن للجميع”.

وحسب حنفي، فإن غلبة التحريم على التحليل تجعل العالم موضع شك دائم وتنزع الثقة منه على عكس غلبة التحليل. فكثرة الوجوب أو التحريم قد تؤدي إلى الكبت أو العزلة عن العالم أو الخوف منه أو التحول إلى الإرهاب واستعمال العنف ضد المخالفين.

ورأى حنفي أن ألفاظ أهل الكتاب وأهل الذمة قد تتعارض مع مفهوم المواطنة التي يتساوى فيه الجميع، حقوقا وواجبات دون تمييز في الدين أو المذهب أو الطائفة أو الذكورة والأنوثة. والحجاب والنقاب وغطاء الرأس تخضع لظروف بيئية خالصة وللأذواق الخاصة والعادات الاجتماعية وهي متغيّرة.

وقال في هذا الصدد “يوجد في الثقافة الشعبية ممثلة في الأمثال العامية ما يسمح بتجديد الألفاظ، ولكن التيار الغالب هو القول بثباتها. وهو الصراع القديم والجديد، بين الأشاعرة ممثلة القديم والمعتزلة ممثلة الجديد. وكل ما فعلته الحركة الإصلاحية مثل محمد عبده أنها أصبحت أشعرية في التوحيد وإن اقتربت من المعتزلة في العدل إثباتا لاستقلال العقل وحرية الإرادة”.

وأكد حسن حنفي أن تجديد الخطاب الديني يبدأ بحياة الناس والواقع الاجتماعي، ما يقبله وما يرفضه. وهو منهج الاستقراء القديم الذي يُحصي العلل المتحكمة في السلوك لمعرفة الأسباب. كما أن تجديد الألفاظ يحمي المجتمع من الوقوع في الثنائية الثقافية بين السلفيين الذين يتمسكون بالألفاظ القديمة، والعلمانيين الذين يستبدلون بها الألفاظ الحديثة، كما يحرص على وحدة الثقافة الوطنية بدلا من الخصام الثقافي حتى الحرب الأهلية، ويحفظ المجتمع من التحول من الألفاظ إلى مضمونها حتى لا تنشأ حركات مثل “داعش” و”بوكو حرام” وكل دعاة الخلافة وإحيائها بعد أن تحولت الدولة الوطنية إلى دولة مستبدة. وهي صنيعة القوى الاستعمارية بعد سقوط الخلافة وطبقا لتقسيم سايكس- بيكو.
كثرة الوجوب أو التحريم تؤدي إلى الكبت أو العزلة عن العالم أو التحول إلى الإرهاب واستعمال العنف ضد المخالفين

وأضاف حنفي “أن تجديد الخطاب الديني هو أحد وسائل تطوير الخطاب الإصلاحي الذي حاول من قبل الجمع بين القديم والجديد قبل أن يصطدم بالحداثة، فينكمش على نفسه، ويعود إلى القديم مرة أخرى ويكفّر الحداثة والحداثيين والتجديد والمجددين”.

واختتم حسن حنفي حديثه مؤكدا على أن مشكلتنا الآن أننا نعيش مجتمعا أحاديا يؤمن بأن من يملك القوة والسلطة هو من على حق وما عداه على ضلال، ومن هنا أرى أننا في حاجة إلى إحياء فكرة التعددية، فالحقيقة في الفقه الإسلامي كانت قائمة على التعددية، فكل آراء الفقهاء كانت على صواب، والذي يحكم بذلك هو المصلحة العامة للعباد، ومن ثمة فإن الهجوم على التعددية بالنسبة إلينا ليس في صالحنا لأننا نعاني من الأحادية.

إننا نبحث عن نقطة بداية جديدة، فنحن مازلنا للأسف ندور في نفس المكان والدائرة المفرغة التي كنا فيها منذ عدة عقود، ندور في دائرة التجزئة وتكفير المخالفين والبقية تأتي، فهل سنستطيع أن ننقذ سوريا والعراق وتونس واليمن ولبنان وليبيا، هذا هو السؤال والتحدي الأصعب يكون في المرحلة المقبلة؟

13