التجديد بين الوعي والتقليد

واقعية دهام بدر لها أمداؤها التي تنفتح بالنظر إلى ما ينفتح عليه في التجريد وتتوفر على خصوصية تكاد لا تذكر الرائي بما قبلها من أعمال واقعية، سواء أكانت لوحاته بالأبيض والأسود أم بالألوان.
الجمعة 2018/03/30
محاولات التجريد عند فايق حسن لا تشكّل إضافة مهمة إلى منجزه التشكيلي

يبدو لي أحيانا، أن المتغيّرات الجمالية، في التعبير، تمارس نوعا من ابتزاز الآخر، وبخاصة حين يكون الآخر غير مهيّأ لإدراك هذه المتغيرات بوعي عميق والاستجابة لها.

لذا حين يستجيب لهذه المتغيّرات ويكيّف أدواته في التعبير، لممارستها، تكون استجابة سطحية مصدرها الابتزاز وليس القناعة، وأقصد بالابتزاز، حين يكون المحيط الذي يعيش فيه المبدع يشكل عليه ضغطا فكريا ونفسيا يدفع به إلى متغيرات في عمله الإبداعي من دون أن يتوفر على استعداد حقيقي.

إن المتغيرات الجمالية الحقيقية التي تشكل ممرّا حيويا بين الماضي والمستقبل، ما كانت ولن تكون مجرد توجه فردي أو عملية استنساخ عن الآخر، وإنما هي تحوّل جمالي في إطار تحوّل عام في الفكر وفي الواقع، وليس الفرق كبيرا بين الذين يرونها نتيجة مغامرة فردية أو نتيجة استنساخ عن الآخر، ويكون الآخر في مثل هذا التصوّر، على الأغلب، هو الأجنبي، أو الذين يستجيبون لها من منطلق التوافق مع المحيط، فيفرّطون بخصوصية منجزهم الجمالي من أجل أن يكونوا مع المجدّدين، وأمثال هؤلاء طالما ضيعوا المشيتين، كما يقول المثل الشائع.

أذكر أن الشاعر العراقي نعمان ماهر الكنعاني، وهو شاعر يمكن أن يصنّف ضمن تيار الكلاسيكيين الجدد، قال لي يوما، وقد وجدنا أكثر قبولا في أوساط النقاد، سأكتب شعرا مثل شعركم، وهو يقصد ما نكتبه من شعر التفعيلة، أو ما اصطلح على تسميته بالشعر الحر، ولأنني أعرف شعره وأعرف أدواته الشعرية، فقد عذلته عن الإقدام على ما كان يفكّر به.

ولو توقفنا عند محاولات الرسام الكبير فايق حسن، في التجريد وهو شيخ الواقعية في التشكيل العراقي، لوجدناها لا تشكّل إضافة مهمة إلى منجزه التشكيلي، ولا أدري ما هو دافعه إلى التجريد؟ بينما حدثني الرسام ماهود أحمد، وهو رسام واقعي ينفرد في واقعيته بأسلوب خاص به، عن أن أحد تجار الفن التشكيلي طلب منه لوحات ذات طابع تجريدي فاعتذر عن ذلك الطلب، قائلا “لو فعلت ذلك لأحسست بأن اللوحات لرسام آخر”.

لكنْ الفرق كبير بين المراحل التي تمر بها تجربة المبدع، وبين الانتقالة السطحية من بنية جمالية إلى بنية جمالية أخرى، فالمراحل التي تميزت بها تجربة بيكاسو هي التي منحت تجربته خصوصيتها وحضورها وأهميتها، كذلك المراحل التي مرت بها تجربة السياب الشعرية، وعندي أن كل مرحلة من مراحل تجربته الشعرية كانت مهمة ومتميزة، وبتكاملها كان السياب المبدع الكبير.

لقد قرأت أخيرا كتاب “شناشيل دهام بدر” للناقد التشكيلي حمدي مخلف الحديثي، الذي تناول من خلال فصوله تجربة الرسام دهام بدر، فنيّا وسيريا، ومن المعروف أن دهام بدر ظل متمسكا بواقعيته، رغم أنه عاش سواء خلال دراسته الأكاديمية أو في محيطه العملي، وسط تجارب تشكيلية لا حدود للتجديد فيها ولا للتجريب الذي لم يتوقف يوما، غير أن واقعية دهام بدر، لها أمداؤها التي تنفتح بالنظر إلى ما ينفتح عليه في التجريد وتتوفر على خصوصية تكاد لا تذكر الرائي بما قبلها من أعمال واقعية، سواء أكانت لوحاته بالأبيض والأسود أم بالألوان.

وهو إذ يركّز في معظم لوحاته على المكان، لكنه يرسم المكان وكأنه يتخيّله، فهو يقول “ألعب بالمكان وأغيّره أحيانا وأعطيه الشكل الذي أريد”، وهو إذ ظلّ بعيدا عن التجريد على عكس معظم أبناء جيله، لكنه لا يقلل من أهمية التجريد، حيث يقول “إن التجريد ليس سهلا، كما يتصوّره بعضهم”، وإن كان يرى أن بعض أبناء جيله وجدوا في التجريد الطريق السهل لأن يكونوا رسامين.

إنه رسام متميّز يتوفر في أعماله الجمال والفكر والتجديد، غير أن التجديد في أعماله التشكيلية مصدره الوعي والموهبة وليس ضبط إيقاع ريشته على نقرات طبول الآخرين، وهذا هو الفرق بين تجديد الوعي العميق وتجديد التقليد السطحي.

14