التجديد خطر ينبّهنا منه الفلاسفة منذ الإغريق

المجددون هدفهم القطيعة المطلقة بأي ثمن كان.
الخميس 2021/02/25
رحلة التجديد لها تكاليفها

جرت العادة أن نصف كل شكل من أشكال التغيير الذي يمكن أن يحسّن إن قليلا أو كثيرا النشاط البشري بكونه تجديدا، دون إعمال النظر فلسفيّا في معنى ذلك التغيير. فالتجديد لا يعني بالضرورة تقدّما، وحسبنا أن ننظر إلى تقليعات الموضة، ففي كلّ موسمٍ جديدٌ، لا يلبث أن يترك مكانه لجديد آخر دون أن يكون في السابق واللاحق إلا ما يسرّ هواة بعينهم. والمخابر ومؤسسات البحث ما فتئت تتنافس في ابتكار ما هو جديد، دون أن يكون للجديد دائما جدوى.

اقترن التجديد بوجود الإنسان على وجه الأرض، فلولاه ما كانت الإنسانية لتبلغ ما بلغته من رقيّ وتحضّر، ولولا السيطرة على النّار عن طريق حجر الصّوّان واختراع العجلة ثمّ الكتابة والمنظار لما غادر الإنسان وضعه الحيوانيّ البدائيّ.

بالابتكار والتجديد المتواصل انتقل الـ”هومو سابينس” إلى “هومو فابر” بعبارة هنري برغسون، أي الإنسان القادر على صنع الأدوات والآلات، ليتحول إلى صانع عالمه الخاص. ولكن ينبغي التمييز بين هذه القدرة الإنسانية العامة، وبين دوّامة التجديد المتواصلة والمتسارعة بشكل لا يعرف حدودا، حتى غدت كل مظاهر الحياة المعاصرة، فردية كانت أم جماعية، معلّقة في ما يجدّ على نحو يكاد يكون متدفّقا في نسق حثيث.

خطر التجديد

"التدمير الخلاّق" للطبيعة
"التدمير الخلاّق" للطبيعة

لقد بات التجديد مبعث خوف حقيقي، وكم من مفكّر يتساءل اليوم: إلى أيّ حدّ يمكن أن يقودنا هذا التجديد المتواصل؟ ألا يرتدّ علينا ويؤدي إلى هلاكنا؟ لاسيما أنّه صار مشفوعا بتدمير توازنات الطبيعة، وتجفيف موارد الكرة الأرضية أو تلويثها، وحتى تهديد الهوية الإنسانية نفسها. ذلك أن حركة التجديد، كما تتبدّى منذ مطلع هذه القرن، تتوق إلى تغيير كلّ شيء، حتى الإنسان، في دماغه وجسده، وفي تكاثره ومحيطه وعلاقاته بالآخرين.

وأمام احتمال خلق أبجدية جديدة للكائن، تكتسي مسألة الحدود أهميتها، بل تتبدى كأهمّ قضيّة. ماذا نقبل وماذا نرفض؟ وما الذي يمكن التساهل معه، أو الوقوف ضدّه وعدم السّماح بالمضيّ فيه؟ مثل هذه الأسئلة لا يطرحها العلماء، لأنّ غايتهم الأولى التجديد، ولو بانتهاك المعايير الأخلاقية، إلا ما ندر، بل يطرحها الفلاسفة، بحدّة متنامية، دون خلفية أيديولوجية.

في بحث فلسفي ميداني أجراه المفكر روجي بول درْوا صحبة الصحافية مونيك أتلان حول أثر الثورات التكنولوجية على حياة الإنسان، التقيا خلاله بخمسين خبيرا في مراكز البحث بأوروبا والولايات المتحدة، تبين أنّ أولئك الخبراء منقسمون حول العالم التقني والعلمي الراهن بين الطوباويات وبين المخاطر الممكنة. وإذا كانوا في معظمهم ينظرون إلى المستقبل من زاوية عمليات التجديد البيولوجي والصناعي والتكنولوجيات البالغة الدّقة ودورها في تحسين حياة الإنسان، فإن الفلاسفة ينظرون إلى المسألة من حيث أفقها الأقصى، أي حدودها النهائية، وما يحويه مسارها من مخاطر محتملة.

التقدم في تراجع مستمر منذ الثمانينات وثيمة التجديد تطورت على جثة فكرة التقدم كما جاءت بها الحداثة

إن الاقتصاد الصناعي الذي غذّته التكنولوجيا حقق إلى حدّ ما نبوءة عالم الاقتصاد النمساوي جوزيف شامبيتر (1883 – 1950)، وكان تحدث في كتابه “الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية” عمّا أسماه “التدمير الخلاّق”، وبيّن كيف أن الرأسمالية مآلها الانحدار والاندثار، ليحل محلها المقاول كمحرك للمجتمع.

هو من وجهة نظر سوسيولوجية بطل البورجوازية، لا ينتمي إليها في بداية مسيرته، ولكنها ما تلبث أن تحتضنه عند النجاح، فتستوعبه هو وعائلته وأقاربه، لأنها لا يمكن أن تحافظ على بقائها اقتصاديا واجتماعيا إلا به ومن خلاله. ومن دون خصاله المتعددة كالطاقة والإرادة وروح الابتكار والصراع، تفقد معركتها الطبقية، رغم أن أولوياتها ليست تلك الخصال بل الرفاه والأمن والسلم الاجتماعية، أي غياب التوتر. فإذا زال المقاول آلت البورجوازية، ومن ثَمّ الرأسمالية إلى نهايتها. ولذلك فالتجديد يمضي على قدم وساق، كي لا تندحر تلك المنظومة.

أما التجديد فقد شابه خلط كبير، كما أوضح المفكر الفرنسي تييري مينيسيي، إذ لاحظ أنه يستخدم للدلالة على أشياء مختلفة، فهو يعني لدى بعضهم ظهور شيء جديد في المجتمع، أو ما يبدو كذلك في نظر مجموعة من الأفراد؛ ويعني لدى آخرين خلق قيمة اقتصادية انطلاقا من ظهور مفاجئ أو إضافة حذرة لشيء جديد داخل سلسلة الإنتاج الرأسمالي، وتوزيع منتجات وخدمات واستهلاكها؛ مثلما يعني ابتكارا تكنولوجيا يغذّيه العلم في إطار اقتصاد التقنية الرفيعة؛ وأخيرا اجتماع أشخاص من مجالات اجتماعية ومهنية مختلفة لخلق ممكنات جديدة.

التجديد في رأي مينيسيي متعدد الأوجه، وهو ما عناه في كتابه “تجديدات، بحث فلسفي”. هذا الكتاب الذي عاد فيه مؤلفه إلى أصل التجديد منذ بدء الخليقة، وموقف الفلاسفة الإغريق من كل جديد، فقد كانوا يحتفون به من جهة، ولكنهم لا يخفون خوفهم مما يأتي من ورائه. وبيّن أن التجديد ليس مرادفا للتقدّم، كما استقرّ في الأذهان. يقول في هذا المعنى “أركز على صيغة الجمع، للإشارة إلى البدهيّات الخاطئة للفظة تبدو عادية لكثرة استعمالها، ولكن مفهومها ليس من تحصيل الحاصل لمجرد أن الجميع يستعملونها”.

البراديغم الجديد

فلسفة التجديد ولو بانتهاك المعايير الأخلاقية
فلسفة التجديد ولو بانتهاك المعايير الأخلاقية

يعتقد مينيسيي أن التنوّع في تعريف التجديد هو ما يجعل المفهوم مركزيا في خطاباتنا المعاصرة عن الزمن والتاريخ، والتقنية والمجتمع، والعمل والقيم المأمولة، ولكنه يبدو رغم ذلك جوهريا مثل مِفصلة الباب، كما كان الشأن بالنسبة إلى التقدم، الذي تولّد عن فلسفة التاريخ في القرن التاسع عشر، فهو وريث المشروع المجتمعي كما تصوره فلاسفة الأنوار.

إن أقررنا أن ذلك المفهوم يفتح على معانٍ مختلفة، وأن دلالاته متباينة إلى حدّ كبير، فلماذا يستخدم إذن؟ والجواب أن التجديد فرض نفسه كأنموذج (براديغم) حقيقي ينطبق عليه وصف الأميركي توماس صامويل كون (1922 – 1996)، بكونه نمط تحليل يفرض نفسه في مرحلة ما، ويُرسم على ضوئه الواقع بتمامه وكماله.

والسبب كما يقول مينيسيي أن التقدم في تراجع مستمر منذ الثمانينات، وأن ثيمة التجديد تطورت على جثة فكرة التقدم كما جاءت بها الحداثة. ولا بدّ إذن من أن نرى في هذا البراديغم الجديد تنويعا “ما بعد تقدّمي” في إعادة صياغة المجتمعات، إذ صارت تنظر إلى إعادة تنظيم متواصلة أكثر مما تنظر إلى التحسين، وإلى المردود الفوري والآنيّ أكثر من السعادة المشتركة.

لقد بسط “التجديد” سلطته كأنموذج مستقل بذاته، يحمل في طياته انسجاما داخليا، ولكنه ما انفك منذ نحو أربعين عاما يشكل انتشارا ملتبسا يتناقض مع التقدّم، لأن غاية القائلين به والداعين إليه والفاعلين فيه هي القطيعة بأي ثمن، وبشكل مطلق. وهو ما يتصل اتصالا وثيقا بالهوس بالتنمية والإلحاح على نسبها التي ينبغي أن تكون في تنامٍ مستمر، بأي وسيلة، ولو كانت تدمير الأرض ومن عليها.

وجملة القول إنّا لئن أقررنا أنّ في البدء كان التجديد، ففي الختام لا بدّ أن يسود شعور بالمسؤولية الإنسانية التي تحتاج هي أيضا إلى تجدّد دائم. ولا يتم ذلك إلا بوضع أسس “إيثيقا التجديد” كما يقول روجي بول دروا، ورسم عناصر فلسفة سياسية للمجتمعات المجددة، مع التأكيد على العناصر الجديدة التي تكون إيجابية ومقبولة وذات جدوى اجتماعية، وشروط تحقيقها، حتى يكون ثمة معنى للفعل الملموس داخل الوضعيات المعقدة.

14