التجربة التونسية والربيع العربي

الخميس 2014/10/30

ضوء في آخر النفق، هو التعبير الأمثل والأقرب الذي يمكن أن نصف به الحالة التونسية اليوم، بما وصلت إليه من إنجاز استحقاق وطني، لاشك أنه الأمثل بجدارة، بين كل تجارب الربيع العربي التي لونها الدم والبارود. ورغم كل العثرات التي شابت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، فإن الانتخابات الأخيرة، تعتبر مثالا حيّا على إمكانية العبور إلى ضفاف الخلاص، والتوجه نحو إعادة البناء، والوصول إلى تغيير شامل تنجزه قوى المجتمع ومكوناته التي شكلت انتفاضتها في وجه القمع والاستبداد، فاتحة التغيير، والخروج على أعتى الدكتاتوريات في المنطقة العربية المتمثلة في القذافي والأسد.

ربما يمكننا اليوم، التحدث عن نضج في التجربة التونسية، حسب جملة من المعطيات الأساسية ومن أهمها دور وفاعلية مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، التي تمكنت من استعادة دورها الحيوي وتنظيم قواها، دون تلكؤ، واشتغلت على توسيع قاعدتها المجتمعية وفقا لأسس إعادة بناء الدولة المدنية، دولة المواطنة العادلة، والاستفادة من التجربة التي قاد فيها حزب النهضة البلاد خلال الفترة الماضية، ودراسة إشكاليات السلطة وتعثر مشروعات المشاركة في الحكم. دون أن تلجأ أي من القوى التونسية، إلى استخدام القوة ووسائلها المختلفة، مع محاولة حزب النهضة لاستخدام قوته السياسية والتنظيمية والاجتماعية.. لكن أحدا لم يلجأ إلى السلاح.

المجتمع التونسي، مدني الثقافة والتكوين، وهو ما جعل من فكرة التسليح غير ممكنة، وهي الميزة التي حققت معادلا موضوعيا في التزام جميع القوى بأساليب العمل السياسي في العمل الوطني، لتمثل بذلك ريادة التغيير، عبر صناديق الاقتراع. كان يمكن للفوضى المتربصة أن تهدم كل شيء، لولا قيمة الوعي السياسي الخلاق، والثقافة العميقة التي تغلب المصلحة الوطنية والإيمان بحق الآخر في الاختلاف وفي السلطة أيضا، على مصالح فئة أو حزب أو عقيدة. وهو في الحقيقة ما حملته تهنئة راشد الغنوشي لنداء تونس، يضاف إلى ذلك مؤشران هامان هما نسبة المشاركة الحقيقية 61.8 % ونزاهة العملية الانتخابية التي شهدت بها جميع الأطراف، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه مراقبا لم يسجل أي اختراق يخلّ بها. ومن شأن هذا الاستحقاق الدستوري أن يقود تونس إلى مرحلة جديدة تتسم بالاستقرار، عبر مشاركة واسعة للأحزاب التونسية في الحكم إلى جانب كل من التيارين الأساسيين نداء تونس والنهضة.

في المقابل، شهدت التجارب العربية الأخرى سفكا للدماء واغتيالات وانقلابات وصراعات لم تنته حتى اليوم، باستثناء التجربة المصرية التي شهدت مخاضا عسيرا بعد فشل تجربة إخوان مصر في إدارة الدولة والنزاع على السلطة، بما قاد إلى إقصائهم، وبدء مسار جديد فرضه تحالف العسكر مع القوى المدنية العلمانية.

وعلى خلاف الموقف الإخواني في تونس، شهدت ليبيا ولاتزال صراعا دمويا متجددا على السلطة، بعد أن كادت القوى المدنية إبان الفترة المؤقتة أن تنجح في قيادة البلاد نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني الذي يحقق استقرار ليبيا، وإعادة إعمارها، و اعتبرت حينها تجربة تتجه نحو النجاح. إلا أن تدخل القوى الإسلامية المسلحة، أوقف نمو التجربة وأجهض حركة المجتمع السياسية المدنية، فدخلت ليبيا في نفق الصراعات المسلحة التي حرّضت عليها ودعمتها قوى خارجية، في محاولة لدفع إخوان ليبيا إلى الاستيلاء على السلطة بما يمكن اعتباره تعويضا عن سقوط تجربة إخوان مصر.

لا يختلف الوضع في اليمن، سوى في التفاصيل. وقد تمكنت تحالفات القوى الإقليمية في المنطقة، من إجهاض تجربة الحل اليمني الذي أنجزته دول مجلس التعاون الخليجي، بفعل سياسة حزب الإصلاح اليمني (إخوان)، لصالح الحوثيين الذين يخوضون معارك للسيطرة على مفاصل اليمن أشبه بمعارك فجر ليبيا. وتبدو إشكاليات التسلح وسيطرة القوى الإسلامية، في مقدمتها حركة الإخوان المسلمين، بما اتسمت به سياساتها من إقصاء وتهميش وإغلاق باب الحوار والتشارك مع القوى الوطنية في إدارة المرحلة الانتقالية في بلدان الربيع العربي، هي من المسببات الرئيسة لتأخر الثورات في إنجاز التغييرات التي قامت من أجلها، وفي حالة الصراعات المحلية حول السلطة، التي تكاد تأخذ طابع الحرب الأهلية، مثال ليبيا واليمن.

أما في سوريا، فقد كانت التجربتان التونسية والليبية حاضرتين بقوة، في الذهنية السورية ما قبل الخامس عشر من مارس 2011، وبعد خلع بن علي ومن ثم إزاحة القذافي، تعاظمت آمال السوريين في تحقيق أهداف انتفاضتهم المطالبة بالحرية والكرامة، لكن القوى التي قفزت إلى قطار الثورة، وقادته عنوة في اتجاه الأسلحة ومن ثم الأسلمة، فقد واجهت الحلّ الأمني للنظام الذي لم يتوان عن استخدام مختلف صنوف الأسلحة بما فيها الكيمياوي لوأد الثورة، وقمع انتفاضة السوريين، فيما سعت القوى المنضوية في إطار الثورة السورية إلى الاستحواذ على القرار السياسي، وضخ المال السياسي والتسليح بلا حدود، ولم يؤد ذلك إلى مواجهة فعّالة للنظام بقدر تشكيل مراكز قوى تنتظر سقوط النظام، لتنقض على السلطة، دون أن يشكل التشاور والتشارك للقوى الوطنية الأخرى، أهمية محورية في أي استراتيجة للمستقبل الوطني.

حركة الإخوان المسلمين في سوريا، لم تستفد من دروس ليبيا ومصر واليمن، وتعتقد أن الدعم الذي تتلقاه من بعض القوى الإقليمية في المنطقة، سيحملها إلى التفرد بقيادة المرحلتين “الحالية والانتقالية” في سوريا.

التجربة التونسية اليوم أكثر من ضرورة أن ننظر إليها بوصفها نموذجا إيجابيا للخروج إلى عتبة المستقبل، مع الأخذ بخصوصية المجتمع السوري وتكويناته.


كاتب سوري

6