التجربة الفيدرالية في الصومال: إعادة إنتاج النظام القبلي بتوليفة جديدة

تعد ولاية جمهورية صومالي لاند أبرز الولايات التي أعلنت الانفصال عن دولة الصومال التي تواجه خطر التفتت والانقسام وسط تراجع الوضع الأمني وغياب دور الدولة المركزية في تماسك الوحدة الفيدرالية للبلاد، والتي تواجه بدورها تحديات كثيرة تعيق ترسيخها كنموذج مثالي للحكم في بلد بتركيبة معقدة مثل الصومال، حيث تتباين المواقف وتختلف الآراء حول كيفية إدارة الموارد وتقاسم الثروات الطبيعية ومراجعة الدستور والعلاقات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى سلطة العشائر.
الأحد 2017/11/05
بحث عن نظرة مختلفة للمستقبل

في اللحظات التاريخية الفارقة في حياة الشعوب هناك دائما أسئلة تطرح نفسها بإلحاح ولا تحتمل التأجيل أو أن يتم المرور عليها مرور الكرام بل تقتضي بالضرورة أن تتم دراستها وتمحيصها بعناية فائقة بغية إيجاد إجابات شافية وموضوعية لها قبل الشروع في تنفيذ المشاريع الكبيرة التي من شأنها أن تحدث تحولات عميقة في بنية المجتمع السياسية والاجتماعية وبالذات في الدول والأنظمة الهشة.

في حالة إسقاط هذا المفهوم على الحالة الصومالية فإن هناك سؤالين ملحين يطرحان في سياق المنعطف الخطير الذي تمر به البلاد في المرحلة الراهنة وهما: هل يصلح النظام الفيدرالي لقضية الصومال المستعصية؟ وهل توجد في الأصل بيئة صومالية حاضنة لتجربة بهذا القدر من التعقيد؟

الفيدرالية حتى على الطريقة الصومالية المبتكرة والتي جادت بها قريحة عرّاب النظام الفيدرالي عبدالله يوسف، الرئيس الأسبق للصومال، تتطلب أدوات وآليات لا تملك القيادات السياسية الصومالية الحالية أبجدياتها ناهيك من امتلاك المهارات والقدرات الذهنية والاقتصادية الخاصة التي تتطلبها أيّ محاولة لتطبيق النظام الفيدرالي في مجتمع قبلي متخلف، قوامه الاقتصادي الرعي والزراعة.

ولا شكّ أن الإصرار على اعتماد الفيدرالية كأساس لبناء الدولة سيقود في المحصلة النهائية إلى تشكيل كنتونات قبلية أو في أحسن الأحوال دويلات قبلية تفتقر تماما إلى أبسط مقومات البقاء. هذه المجتمعات القبلية متنافرة وتسود علاقاتها عدائيات متأصلة.

وتعدّ هذه العدائيات من مخلفات النظام العسكري والعشائري البائد الذي ضرب المجتمع الصومالي البسيط في مقتل بعد إشعاله نار الفتنة القبلية التي لا تزال مشتعلة إلى اليوم ويكفي للتدليل على صحة عدم ملاءمة النظام الفيدرالي للحالة الصومالية الإشارة إلى التفتت الحاصل في التركيبة السكانية والجغرافية والتي حوّلت المجتمع الصومالي إلى كتل بشرية متصارعة على حدود جغرافية مصطنعة بحيث انقسمت شوارع المدينة الواحدة على نفسها. من بين الأمثلة على ذلك المأساة التاريخية لمدينة جالكعيو التي يتبع نصفها ولاية بونتلاند والنصف الآخر تابعا لولاية جلمدج.

حرب أهلية جديدة

القوى الوطنية الحية في الصومال مطالبة أكثر من أيّ وقت مضى بأن تلغي التفكير المرتكز على الاستقطاب القبلي الحاد الذي أعاد إنتاج النظام العشائري بتوليفة جديدة أطلق عليها بهتانا الفيدرالية. وقد فتحت هذه التوليفة الباب على مصراعيه لانتشار الانعزالية والعدائيات العشائرية والتوسع الجغرافي للقبائل الكبيرة على حساب القبائل الصغيرة، فيما تسيطر قبيلتان جنوبيتان فقط على كافة مفاصل الدولة.

ويرشح الاستمرار في هذا النهج الإقصائي الصومال لجولة أخرى من الاقتتال الأهلي ستكون في هذه المرة أكثر ضراوة من سابقاتها. وهذا ليس من قبيل المبالغة في التشاؤم ولكنه قراءة واقعية لما بين سطور ما يجري في الصومال.

الإصرار على اعتماد الفيدرالية كأساس لبناء الدولة سيقود في المحصلة النهائية إلى تشكيل كنتونات قبلية أو في أحسن الأحوال دويلات قبلية تفتقر تماما إلى أبسط مقومات البقاء

ولا نستبق الأحداث عندما نقول إن الفيدرالية الصومالية تجربة محكوم عليها بالفشل لأن جميع المعطيات تؤكد أن الفيدرالية ستكون المسمار الأخير في نعش الكيان السياسي في جمهورية الصومال التي يحاصرها من كل جانب الجهل والفقر والوهن السياسي. والدليل أنه بالرغم من الدعم الأممي الاستثنائي إلا أن النظام ما انفك يترنّح من شدة ضعف مؤسساته الهزيلة بعد أن نخرت عظامها عمليات النهب الجائر للأموال العامة التي تفشت بصورة رهيبة بين أوساط السياسيين العائدين من دول الاغتراب واللجوء السياسي.

من المفارقات المضحكة والمبكية في آن هو تجاهل النظام العالمي الجديد للنقطة المضيئة فيما كان يعرف بجمهورية الصومال الديمقراطية والتي تتجسد بجلاء في التجربة الديمقراطية الناشئة في جمهورية (صومالي لاند) التي أعلنت استعادة دولتها الإقليمية من طرف واحد بعد الوحدة الفاشلة بامتياز.

ونجحت هذه الجمهورية الفتية في أن ترسم بإبداع إعجازي لوحة ديمقراطية فريدة من نوعها في الصومال الشمالي في ظل ظروف اقتصادية وسياسية غير مواتية وفي محيط إقليمي حافل بكافة العوامل المعطلة لأيّ نشاط سياسي خلاق. حققت ذلك في الوقت الذي يعانى الأشقاء الجنوبيون من الأعراض الجانبية لمجمل السلبيات التي حفلت بها الفترة السابقة.

وعوضا عن محاولات نقل التجربة الفيدرالية القبلية المثيرة للجدل إلى جمهورية صومالي لاند فإن الحكمة تستلزم بشكل قاطع بأن يفسح المجتمع الدولي ومن قبله العربي المجال لهذا النموذج “الصومالي لاندي” الناجح للبقاء على قيد الحياة من خلال الدعم الاقتصادي والاعتراف السياسي ليكون بمثابة النموذج المثالي الجدير بالاحتذاء.

ومن الحكمة أيضا أن تتوقف الحكومة الفيدرالية عن دق الأسافين الفيدرالية في جسم الكيان الشمالي (صومالي لاند) الذي تتعايش فيه بتناغم منقطع النظير تجمعات بشرية ذات انتماءات عشائرية مختلفة ولكنها اندمجت من خلال المصاهرة التي تشكلت من خلالها فسيفساء قبلية منسجمة ذابت بتناغمها الحواجز النفسية.

الفيدرالية ليست الحل

الإصرار على دوامة الحلقة المفرغة للنظام الفيدرالي سيجعلنا فريسة سهلة للأشراك الخداعية التي تنصبها دول الجوار الإقليمي نذكر على سبيل المثال كينيا التي لا تخفي أطماعها التوسعية في المياه الإقليمية الصومالية؛ وأيضا إثيوبيا التي تحاول أن تلغي من قاموسها السياسي التهديد الذي يشكله الصومال.

من المبالغة في الخيال والتوهم بأن الفيدرالية هي الحل للمشاكل السياسية، وهو الرأي الذي يرجّحه أغلبية اللاعبين الأساسيين في الساحة السياسية الصومالية وعلى وجه التحديد النخبة السياسية في العاصمة مقديشو. ولحل الإشكالية الصومالية فإن الأمر يتطلب دراسة مستفيضة مبنية على تحليل نقدي لمجمل الأعمال والإجراءات التي تمت حتى الآن في سياق محاولات تطبيق الفيدرالية حتى نحدد بجلاء مدى ملاءمة النظام الفيدرالي للصومال الجديد.

لكن، يجب أن تتم هذه الدراسة بواقعية شديدة بعيدة كل البعد عن الذاتية وأن نستخدم النتائج المستخلصة في جهد مخلص نكرّسه لانتشال الصومال من مأزقه الحالي سيرا نحو إيجاد كيان جنوبي متماسك يشمل كافة المكونات الجنوبية ومؤهل للدخول في حوار جاد وحقيقي مع الكيان الشمالي الذي ينعم بديمقراطية واستقرار نسبيين.

وبدل العزف على وتر الوحدة العاطفية فإن المصلحة العامة تقتضي بأن تسمّى الأشياء بأسمائها الحقيقية ويتم الاعتراف بأن واقع الحـال هو أن جمهورية صومالي لاند تعتبر عمليا منفصلة بعد ثلاثة انتخابات وبالاقتراع الشعبي المباشر منذ 18 مايو 1991.

وبعد أن تكللت جهود جمهورية صومالي لاند وفصيل خاتمو الذي كان يقود المعارضة الشمالية المسلحة بتوقيع اتفاقية الشراكة والمصالحة في مدينة عينابو الشمالية في 20-10-2017 وانطلاقا من هذا الواقع فإن الكرة حاليا في الملعب الجنوبي.

وبالتالي على الصوماليين في الشطر الجنوبي ابتكار حلول استثنائية وعملية خالية من مفردات اللغة الخشبية التي أفسدت الحياة السياسية تمهيدا للخروج من عنق الزجاجة ومن ثم إيجاد صيغة وحدوية مقنعة للشماليين أو الانفصال بسلام والعيش جنبا إلى جنب كدولتين شقيقتين أسوة بجمهورية جيبوتي التي رفضت الوحدة.

كاتب صومالي

6