التجريب والتخريف

الأربعاء 2016/03/02

دربت نفسي منذ أن كنت صبيا يافعا، على مشاهدة كل أنواع الأفلام، وبالأخص، الأفلام التي يقال إنها صعبة، أي تلك التي تتداخل فيها الشخصيات والأحداث، ولا تسير الدراما فيها سيرا تقليديا منطقيا، بل تحتوي على الكثير من المنعرجات والمنعطفات، بل والشطحات الفنية أيضا.

ولا أبالغ إذا ما قلت إنني شاهدت الآلاف (وليس المئات) من الأفلام من كل بلدان وثقافات الأرض، وكتبت عن الكثير من السينمائيين الذين يشطحون بخيالهم.

شاهدت أيضا -عبر أكثر من ثلاثين عاما- عددا كبيرا من أفلام السينمائيين الذين يغرقون في التجريب في الشكل السينمائي، والتلاعب بلغة السينما، ومحاولة ابتكار أشكال وأساليب جديدة، يدهشوننا كثيرا بما يقدمونه ويملكون تطويره.

كما قرأت كثيرا عن أعمال هؤلاء وما تثيره من جدل بين المفكرين والنقاد والباحثين، وربما يكون على رأس هؤلاء جميعا المخرج الفرنسي- السويسري الأكثر إثارة للجدل، جون لوك غودار، الذي يمكن اعتباره بحق “نبي التجريبيين” في السينما، وأول من امتلك جرأة هدم السينما القديمة التقليدية، وطرح ولا يزال، أشكالا وطرقا جديدة للسرد والتعبير يجدها كثيرون صعبة أو مستغلقة على الفهم أحيانا، لكني أجدها أفلاما ممتعة، تمتلك القدرة على توليد المتعة من العلاقات بين اللقطات وطريقة غودار الجدلية في تضفير أجواء أفلامه.

لم يكتف غودار باستخدام الكاميرا السينمائية التقليدية، بل استخدم أيضا كاميرا الفيديو الرقمية الحديثة وطوعها لابتكاراته، كما استخدم تقنية الأبعاد الثلاثية “3 دي” وظل يمزج الخيال بالواقع، والسينما بالفنون الأخرى: الموسيقى والأوبرا والفن التشكيلي والرقص والمسرح، ويقتبس من الفلسفة، ويطرح مواضيع وثيمات فلسفية وذهنية، تتساءل حول مصير عالمنا، وتوجه نقدا شديدا للمركزية الثقافية الأوروبية.

ورغم شطحات غودار ورفضه العنيف والعنيد لسينما التسلية ورواية القصص المؤثرة ذات المغزى الأخلاقي والاجتماعي، إلاّ أن لأفلامه كما أشرت، جمالها الخاص، وهو يعرف ماذا يفعل، وعمّا يتكلم، ولديه أيضا مزاج ساخر محبب.

أما ما دعاني إلى التطرق إلى هذا الموضوع، فهو فيلم “جوّع كلبك” المغربي للمخرج هشام العسري الذي شاهدته مؤخرا بمهرجان برلين السينمائي، فالمشكلة أن المرء يجلس بعد أن تسلّح بكل خبرته البصرية والسينمائية عبر العشرات من السنين، لكي يحاول فقط أن يتمكن من متابعة ما يجري على الشاشة وفهم منطلقاته ودوافعه، والإحاطة بالعلاقات بين شخوصه، ولكن بلا جدوى.

ويبدو الأمر وكأن مخرج الفيلم (الذي يكتب أفلامه بنفسه)، هو الوحيد الذي يفهم شيئا من وسط هذا الخليط المنفر الذي لا علاقة له كما يقال بسينما ما بعد الحداثة، بل الأحرى أن يقال إنه نموذج لسينما العبث بالكاميرا بدعوى الهجاء السياسي، وليس كل من أمسك بالكاميرا ليهجو يصبح سينمائيا، وشخصيا لم أستوعب أيضا فيلمه الأسبق “هم الكلاب” الذي نال إعجاب الكثيرين، من بينهم من أقدرهم كثيرا، ربما لأسباب تتعلق برسالته السياسية.

باستثناء اللقطة الأولى التي تمتدّ لدقائق عدّة لامرأة بائسة من المشردين في الشوارع تسخر من الحكومة وتشكو الفقر والجوع وإهمال الدولة لها ولأمثالها، فلا يوجد شيء يمكن هضمه أو استيعابه أو الاستمتاع به في هذا الفيلم، فشخصياته تكرر اللغو والحركات ثقيلة الوطأة، والمخرج يبدو وكأنه يلهو بالكاميرا، وكأن اللهو بالكاميرا المتحركة في حدّ ذاته يمكن أن يصنع عملا سينمائيا ذا مغزى.

لا يكفي أن يقال لنا إن الفيلم يسخر من شخصية وزير الداخلية المغربي الأسبق إدريس البصري، الذي عاث فسادا في البلاد خلال ما يعرف بـ“سنوات الرصاص” في المغرب. فإذا كان جمهور السينما في العالم لا يعرف شيئا عن البصري، ولا عن سنوات الرصاص، فماذا سيمكنه أن يفهم؟

لا شك أخيرا أن هناك فرقا كبيرا بين التجريب من أجل التعميق، والتخريف من أجل التهريج.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16