التجسس لعبة الحكومات ومأزق الصحفيين

في الماضي لم يكن الصحفي يكشف أبدا عن مصدره السري، وعندما كان يأتيه شخص بخبر يريد أن يحيط به الناس علما، مشترطا عدم ذكر اسمه، كان الصحفي يفضل المجازفة بدخول السجن على إفشاء اسم مصدره. لم تكن تلك مسؤولية أخلاقية فحسب، بل كانت ضرورة عملية ومهنية أيضا.
السبت 2015/05/02
هتك أستار الصحافة الحرة هو العمل اليومي الذي تؤديه أجهزة الأمن حتى في البلدان التي تدعي أنها ديمقراطية ومتقدمة

تحكي تجربة الجيل الجديد من كُتاب الأخبار، قصة مغايرة لتلك التي عاشها صحفيون مخضرمون سابقا. فأن تبوح باسم مصدرك أو تكتمه، تلك صارت مسألة ثانوية. والسؤال هو: هل أنت قادر، أصلا، على حماية مصدر معلوماتك؟ فهناك سجل المكالمات وأرشيف رسائل البريد الإلكتروني والتنصت على الهاتف ومعلومات الموقع على شبكة الهاتف الخلوي وتذاكر المواصلات الذكية وميكروفونات التنصت السرية وكاميرات المراقبة، أي أن الوضعية الافتراضية المبدئية لعالمنا هي أن يكون تحت المراقبة.

هذا هو عالم الصحافة الجديد، الجريء. ففي الولايات المتحدة، تسعى وكالة الأمن القومي (NSA) إلى التنصّت على كل اتصال إلكتروني صادر أو وارد. وفي المملكة المتحدة، نجحت إدارة الاتصالات الحكومية (GCHQ) في اعتراض وتخزين كل نبضة تمر عبر الأسلاك. ويقوم برنامج تجاري للتجسس يسمّى فينفيشر (FinFisher ويدعى أيضا FinSpy) بمراقبة المواطنين في 20 بلدا آخر، حسب تقرير صادر عن مختبر سيتيزن لاب، وهو مجموعة بحثية مقرها في كلية مونك للشؤون الدولية بجامعة تورنتو في أونتاريو بكندا.

ولكن التقرير الدولي الصادر عن المنظمة العالمية لمراقبة مجتمع المعلومات “أو جي آي إس ووتش” (GISWatch)، أوضح بالتفصيل حالة مراقبة الاتصالات في عدد أكبر بكثير من البلدان، حتى أن وكالة التجسّس الكندية قد تكون تراقب الكنديين بصورة غير قانونية.

وإذا حدث وكان باستطاعة الصحفي أن يحمي هوية مصدره، فإن ذلك لن يتسنّى له إلا بتطبيق قدر خارق من الخبرة إلى جانب امتلاك أدوات باهظة الثمن.

رايان غالاغر: قد يتعرض أي صحفي إلى الاستهداف على أساس أنه يعمل ضد مصالح الحكومة

ويتنافس الصحفيون اليوم مع العملاء السريين والجواسيس بيد أن العملاء السريين يتمتعون بأفضلية اللعب على ملعبهم.

وينبغي ألا تصبح العوالم المبهمة من الحيل والمراقبة البيئة التي يتواجد فيها الصحفي، فالوقت الذي يصرفه الصحفي على تعلِّم لعبة جاسوس ضد جاسوس، يمكن تسخيره في صقل قدراته المهنية وكل قطعة إلكترونية خرقاء وكمبيوتر معزول (لا يوصل بالشبكة أبدا air-gapped)، كان يمكن أن يكون كاميرا إضافية أو ميكروفون، أو كان يمكن أن تُنفق هذه التكاليف على رواتب العاملين. حيث أن كل شغل أو تجهيز لوجيستي إضافي مخصص لتجنب التجسّس، هو بمثابة إهدار للمال والوقت.

لقد عمل كثيرون على إبطاء النزعة من الخصوصية التامة نحو المراقبة الشاملة، وعملوا على زيادة تطوير الأدوات الخاصة بمكافحة المراقبة وتقديم النصح للصحفيين. لقد كانت الاستجابة للمعرفة الواسعة التي يتمتع بها ذراع المراقبة الطويل للدولة تدريجيا ولكنه مثير للإعجاب، فقد زاد مطورو البرامج من العمل على مشاريع مقاومة المراقبة ووضع أفكار مفيدة بشأن المصادر المجهولة، وألّف الخبراء العديد من الأدلة في مجال الحماية الرقمية، فضلا عن البرامج التدريبية، وكان الغرض من ذلك كله مساعدة الصحفيين على تجنب الوقوع تحت عيون المراقبة الحكومية التي تحملق بلا هوادة.

ربما كان البرنامج الرائد في انتشار هذه التطبيقات برنامج “سيكيور دروب” (Secure Drop)، وهو عبارة عن نظام تقديم معلومات للصحفيين دون كشف اسم المصدر.

يجمع برنامج “سيكيور دروب” بين عدة أجزاء من برمجيات الحماية والخصوصية في نظام متكامل، حيث يضمن للصحفيين وحدهم القدرة على قراءة المواد مخفية هوية المصدر. إن الصحفيين باستخدامهم برنامج “سيكيور دروب” لا يقررون بأنفسهم عدم الكشف عن هوية المصدر، فما لم يقرر المصدر الكشف عن هويته فإن الصحفي لن يتمكن من إماطة اللثام عن المصدر حتى لو حاول ذلك. يعمل برنامج “سيكيور دروب” جاهدا على تجنّب حتى الهجمات والمراقبة الموجهتين.

وقامت مؤسسات أخرى بتطوير وتوزيع مواد عن أفضل الممارسات ومواد تدريبية، وعمقت بعض الجامعات من بحوثها في مجال التهديدات التي يواجهها الصحفيون.

مسلح يأمر صحفيا بالمغادرة اختيرت كصورة غلاف كتاب تقرير لجنة حماية الصحفيين لعام 2015

ومن المستحيل أن يتعلم الصحفيون استراتيجيات الدولة والإجراءات المضادة المناسبة لها معتمدين على ميزانية غير كافية أبدا. غير أن المواقع ومزودي الخدمات في الغالب أقدر على حماية الصحفيين من هذه الهجمات، فتأمين الأدوات اليومية للعمل التجاري يعطي نتائج أفضل من مطالبة الصحفيين بالقفز عبر أطواق من الألغاز السرية.

ويقر صحفيو التيار العام والمؤسسات الصحفية علنا بحاجتهم إلى تعلم تكتيكات وأساليب الجواسيس من أجل الصمود خطوة أخرى إلى الأمام. وحتى في المجتمعات التي تبدو أكثر ديمقراطية وحرية، فإن هتك أستار الصحافة الحرة هو العمل اليومي الذي تؤديه أجهزة الأمن. إذ تستهدف أجهزة المخابرات الصحفيين بالمراقبة أحيانا حتى عندما تكون مهمات الوكالات المضطلعة بذلك متركزة في الظاهر حول الاستخبارات الخارجية.

وكتب رايان غالاغر في صحيفة “ذي إنترسيبت” ملخصا ذلك بقوله “قد يتعرض صحفي استقصائي يعمل على قضية أو قصة تنطوي على أسرار للدولة إلى الاستهداف على أساس أنه يُنظر إليه على أنه يعمل ضد مصالح مبهمة التعريف للأمن القومي للحكومة”.

وقد انبرى بعض الصحفيين لمواجهة هذا التحدي، فبعد لقائهما مع سنودن أدرك كل من لورا بويتراس وغلين غرينولد أن الصحف والمؤسسات الإعلامية التقليدية ليست مهيأة بالشكل الذي يتلاءم مع هذا العالم من المراقبين، وأنهما يحتاجان لنوع جديد من المؤسسات.

وأسس الصحفيان مجموعة “فيرست لوك ميديا” بمساعدة من زميلهم الصحفي الاستقصائي جيرمي سكاهيل وبتمويل من أسطورة موقع (أي باي) eBay يير أوميديار.

وتتخصص المجلة الإلكترونية الرئيسية لمجموعة “فيرست لوك”، وهي مجلة “ذي إنترسيبت”، في فضح مخالفات الدول التي تمارس المراقبة. ثم إن اختيار المجلة لهذا النوع القوي من الخصوم يعني أنه يتعين عليها أن تظل متقدمة خطوة واحدة عنهم.

واليوم يتألف الفريق مؤلف من 20 شخصا- كي يظلوا بمأمن.

ويبدو أن تجنب السقوط في سجن المراقبة الشاملة بالنسبة إلى أولئك الذين يقررون مواصلة العمل الجاد في الصحافة، يتطلب ثمنا باهظا.

وعندما يتوجب على الصحفيين منافسة الجواسيس والمراقبة، فإن المجتمع سيخسر حتى لو فاز الصحفيون.

توم لوينثال خبير مقيم لدى لجنة حماية الصحفيين وصحفي مستقل في شؤون السياسات التكنولوجية والمقال هو أحد فصول تقرير لجنة حماية الصحفيين

18