"التجلي الشعري في جدارية محمود درويش" الأسطورة والهذيان

قد يموت الشاعر جسدا لكن نصه لا يموت، فالشعر الحقيقي يبقى في مواجهة الزمن يهزم الموت ويخترق العصور والثقافات، هكذا وصل إلينا شعر الإغريقية سافو وإلياذة هوميروس وقصائد امرؤ القيس والمتنبي، وروائع محمود درويش الذي مرّ على رحيله ما يناهز السبع سنوات، فهو من مصاف الكبار الذين كتبوا شعرا سيظل حيا لعقود وقرون لاحقة، وتعدّ مجموعته “الجدارية” أشهر أعماله وأكثرها نضجا لما تمثله هذه القصيدة/ الديوان من خوض عميق في رحلة الإنسان والموت، الموت الذي “هزمته الفنون جميعها”، وقد صدر مؤخرا عن دار نشر "أسلوبية" في الدار البيضاء للناقد المغربي عبدالقادر الجموسي كتاب جديد تناول فيه جدارية درويش بالنقد والتمحيص تبيانا لمواطن الشاعرية في غمارها، وجاء الكتاب بعنوان “التجلي الشعري في جدارية محمود درويش”.
السبت 2015/11/14
محمود درويش صاغ نصه ملحمة من ضوء الأساطير ليصمد أمام سطوة الزمن

الرباط - في كتابه “التجلي الشعري في جدارية محمود درويش”، يعتبر الناقد المغربي عبدالقادر الجموسي قصيدة الجدارية لمحمود درويش قصيدة شبكية؛ تحكي بلغة الشعر والتجلي سيرة مواجهة حوارية بين الذات والعالم، بين الذات والموت، فهي مواجهة تستثير غبار الأسئلة الحارقة وتستبطن أقاصي الروح وأقاصي الكلام وتخوم الذاكرة القصية.

ويعتبر الناقد أن القول الشعري عند محمود درويش، وإن كان يأتي مؤطرا بمعرفة وتصوّر هندسي لقوام القصيدة، فهو يخفي مصادره المعرفية ويتقدّم نحونا كأنه على السليقة. من منطلق هذه الجدلية بين شعرية القصيدة وسياقها المعرفي، ينشئ الجموسي ركائز قراءته الرامية إلى اقتفاء دينامية الخطاب وشبكة مسارات المعنى لدى شاعر الجدارية، في مسعاه إلى تأسيس كونه الشعري ومملكة أسطورته الشخصية التي تشيّد بناء القصيدة وشكلها وعالمها، وتحمل اللغة الشعرية من الواقع العيني إلى الواقع اللغوي، فالواقع الجمالي.

يقسّم الناقد كتابه إلى خمسة فصول، هي على التوالي: شعرية الهذيان، على خطى جلجامش، سفر الرؤيا، الشبكة الأسطورية، على سبيل الخاتمة.

الهذيان والخلود

في البداية يتناول عبدالقادر الجموسي شعرية الهذيان في قصيدة الجدارية لمحمود درويش، فالشاعر يستهل قصيدته بحدث عجيب أشبه ما يكون برؤيا تدشنه الجملة الشعرية “هذا هو اسمك/ قالت امرأة/ وغابت في الممرّ اللولبي”، وهذه هي اللمحة الأخيرة المختلسة من عين الشاعر المرهفة، وهو يفقد وعيه تدريجيا تحت تأثير حقنة المخدر في المستشفى إثر عملية شق القلب التي خضع لها جسده الواهن.

يتعزز وقع هذا الأثر المدهش بالفعل اللغوي الذي يصف به الشاعر “اللاهنا” و”اللازمان” في إشارة تحلق بنا خارج مدار الوجود الأرضي إلى مقام الحلم والرؤيا “أرى السماء هناك في متناول الأيدي”.

ويستنتج الجموسي أن صوت المرأة يعمل على استثارة أحاسيس وانفعالات جسد الشاعر الراقد ويقوده عبر مضايق سفره الداخلي. ومن خلال الإنصات لصوت النداء الأنثوي تتراءى لنا أطياف الأفكار والهواجس التي تتوارد على الشاعر، أثناء معراجه الروحي، في نواحي “الأبدية البيضاء”، حيث يمتزج الحلم بالواقع، وتلتهب حرائق الأسئلة الإنسانية الكبرى عن الأصل والكينونة، وعن الهوية والمصير، في مراوحة متوترة بين السماء والأرض، بين المحدود والمطلق، ذلك ما يشكل القاعدة التي يؤسس عليها الشاعر كونه الشعري.

درويش يصوغ نسيج جداريته من نصوص ذات مرجعيات مختلفة على شكل اقتراضات وشواهد وإلماعات وقرائن

على خطى جلجامش، يستنطق الناقد روافد الشاعر، إذ يقرّ بأن الشرعية الجمالية والفكرية لجدارية درويش تقوم على محاورة شبكة من النصوص والأصوات المتحدّرة من مدارات مختلفة: من شعـر وملحمة ومسرح وغناء وكتب مقدسة وأسطورة. وعلى أساس هذه البنية الجامعة، يمكن إدراجها ضمن ما اصطلح عليه الشاعر عباس بيضون “القصيدة الشبكية” التي “تمزج بين أصوات وأزمنة وحقول عدة، بين سجلات عدة”.

وهذا النوع من القصائد الشبكية هو نفسه الذي وسمه محمود درويش باسم الغناء الملحمي أو الأسطوري.

فمحمود درويش يصوغ نسيج جداريته من نصوص ذات مرجعيات مختلفة على شكل اقتراضات وشواهد وإلماعات وقرائن، بما يعكس ثقافته واختياراته الجمالية. ومن ضمن شبكة النصوص البارزة التي تحتل موقعا مركزيا في بناء الجدارية تحضر “ملحمة جلجامش”، وهي نص مؤسس في المكتبة الكونية باعتباره من أقدم النصوص الإنسانية، التي تناولت سؤال الموت ومسعى الإنسان إلى حل معضلة وجوده وخلوده على الأرض.

يرى الناقد أن “جدارية محمود درويش” تستثمر شعرية النص الصوفي كتجربة قصوى مع اللغة والوجود في بلورة رؤية الشاعر الأسطورية للعالم. وهنا يمكن المجازفة بالقول إن لغة هذه القصيدة المتفردة تظل مستغلقة دون انشراح القارئ على “الأفق الصوفي” كأحد أبعاد القصيدة.

ومن جانب آخر يحقق نص الجدارية تصعيدا متناميا على مختلف مستويات إدراك الشاعر للوجود، فينتقل به في مسعاه لاستكناه المعنى، من مستوى الإدراك الحسي، عبر إصغاء الجسد المسجى لصوت النداء، إلى محاولة الإدراك عبر التجربة، من خلال الوعي الأسطوري، صاعدا إلى مقام الكشف أو التجلي كأحد فنون إدراك العالم وتذوقه. ففي الطور الأول، تبتدئ الرحلة بتصوير انفعالات الجسد أمام دهشة الانقذاف في “سماء المطلق البيضاء”، وهي حالة تنحل فيها العناصر والمشاعر، ليكتمل طقس الاستحالة والتخلص من العلائق والعناصر الأرضية، كإحدى أولى مراتب الارتقاء في سلم المعراج الروحي للسالك. وفي ما يشبه هذا المعنى تقول الجدارية:

خوض عميق في رحلة الإنسان والموت

سأصير يوما طائرا، وأسل من عدمي/ وجودي، كلما احترق الجناحان/ اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من/ الرماد. أنا حوار الحالمين، عزفت/ عن جسدي وعن نفسي لأكمل/ رحلتي الأولى إلى المعنى/.

اسم الشاعر

أماالفصل الرابع، “الشبكة الأسطورية”، فيوضح فيه عبدالقادر الجموسي كيف تتخذ الأسطورة عدة تجليات في المتن الشعري لمحمود درويش عموما، وكيف تحضر في نص الجدارية تحديدا بشكل مكثف وتعمل وفق رؤية شعرية تؤسس للأسطورة الشخصية الجامعة التي يسعى الشاعر إلى كتابتها. فالجدارية كتبت بلغة الأسطورة وسحر الأسطورة وفكر الأسطورة. وعلى عكس النصوص السابقة التي دأب الشاعر على تضمينها رموزا أسطورية مختارة حسب الحالة الشعورية لقصيدته، نجده في الجدارية يتوسل بالمتخيل الأسطوري كعنصر بنائي وكون شعري خالص يحتمي به في مواجهة صوت المحتم المتمثل في الموت.

يعكس هذا الاختيار الجمالي موقفا شعريا من عالم فقد صلته بالوجود الأصيل حيث تم تجريد الإنسان من كل وسائل الدفاع الذاتية، التي تصون كينونته من عبث الزمان وآفة الإقصاء الفادح من مسرح الوجود.

يختتم الجموسي كتابه بفصل معنون بـ”على سبيل الخاتمة”، وفيه يوضح اشتغال درويش على بلاغة الاسم، إذ يتحول النشيد في “جدارية محمود درويش” إلى طقس شعري لازم لاستحضار اسم الشاعر وإعادة تأسيسه كمعرفة. فالجدارية تبتدئ باستحضار الاسم كفعل تدشيني تعمّد به المرأة/ الأم مولودها “هذا هو اسمك/ قالت امرأة”، وتنتهي بلحظة التعرف وتأمل ذات الاسم “واسمي/ وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت- لي”، كأن رحلة روح الشاعر في سلم معراجها السري، عبر أطوار النشيد ومقاماته، ما هي في المحصلة الأخيرة سوى بحث عن الجرح الشخصي للاسم، ومحاولة مصمّمة لتشييده من جديد، وترسيخ جدارة امتلاكه وبقائه، بعدما يكون حامله الطيني قد امتلأ بكل أسباب الرحيل.

17