التجميد المؤقت.. سياسة القاهرة لتطبيق القوانين المغضوب عليها

لجوء الحكومة إلى حجة تخفيف المعاناة كمدخل لتمرير قراراتها والحصول على دعم مجتمعي سياسة أصبحت مكشوفة ودون جدوى.
الأحد 2018/08/05
سياسة الحكومة الاقتصادية ترهق المواطن

مجرد ركوب وسيلة نقل جماعية في مصر، والنبش مع الناس حول سياسة الحكومة وتصورات هيئاتها المختلفة، يمكن الخروج بنتيجة واحدة، هي أن ثقة الناس فيها وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة في كل قرار أو قانون تتجه لتنفيذه.

لم يعد يرتبط تراجع الثقة في الحكومة باتخاذ قرارات إصلاحية تؤدي إلى مزيد من الغلاء، بل وصل الأمر إلى التحجج بأن تحركاتها تصب في صالح جميع المواطنين، وعليهم التحلي بالصبر لجني ثمار الإجراءات القاسية.

وكشفت مصادر حكومية لـ“العرب”، أنه تقرر وقف العمل مؤقتا، بقانون نقل وزراعة القرنية الصادر عام 2008، لامتصاص غضب الشارع بعد واقعة استئصال قرنية متوفى بأحد المستشفيات دون علم أسرته، وما ترتب عن ذلك من تصاعد الغضب المجتمعي ضد الحكومة.

وأحدثت الواقعة التي جرت في مستشفى قصر العيني الجامعي (حكومية)، صدمة لدى الرأي العام المصري، برغم قانونية الإجراء الذي اتبعه المستشفى، وخلف حالة استياء شعبي.

وأظهر الموقف أن القضايا التي تحظى باهتمام مجتمعي واسع، يجبر الحكومة على التعامل معه بمنطق المسكنات أو التراجع أو التجميد، ولم يعد بوسعها التمسك بمواقفها والدفاع عن قراراتها، وسط تذمر المجتمع من السياسات الاقتصادية التي تنتهجها.

وحملت قضية نقل القرنية أبعادا كثيرة، أهمها التشكيك في نوايا الحكومة، حتى وإن كانت تطبق القانون لصالح المواطنين، وبدت غير قادرة على تنفيذه، برغم امتلاكها آليات واسعة تؤهلها لمواجهة الرافضين، في مؤشر يعكس أنها أصبحت لا تَأْمَن ردّة الفعل وتتحاشاها.

وقال محمد سامي رئيس حزب الكرامة لـ“العرب”، “إن الاستسهال في التراجع عن قوانين هي محل رفض مجتمعي دون مواجهة الناس بالحقيقة يثير علامات استفهام كثيرة، ويوحي بأن هناك أمورا سياسية خاطئة تستدعي العلاج".

تهاوي ثقة الناس في الحكومة طال المؤسسات الدينية التي أصبح يُنظر إليها باعتبارها جزءا من السلطة، وعليها أن تدفع فاتورة تسييس مواقفها

 وفشلت مساعي دار الإفتاء وأئمة وزارة الأوقاف للترويج لمشروعية استئصال القرنية دون علم أسرة المتوفى، في مؤشر يوحي بأن تهاوي ثقة الناس في الحكومة طال المؤسسات الدينية التي أصبح يُنظر إليها باعتبارها جزءا من السلطة، وعليها أن تدفع فاتورة تسييس مواقفها.

وقال عماد سيد أحمد، وهو معلم يقيم بالقاهرة لـ“العرب”، إن الحكومة اعتادت اللجوء إلى حجة تخفيف المعاناة كمدخل لتمرير قراراتها والحصول على دعم مجتمعي، اعتقادا بأن أكثر الناس سوف يدعمون توجهاتها، لكن هذه السياسة أصبحت مكشوفة ودون جدوى.

وأضاف “أقنعتنا الحكومة بأن الإصلاح الاقتصادي يصب في صالحنا، والآن تحاول إقناعنا بأن استئصال القرنية والتبرع بالأعضاء يخدمنا جميعا.. إنها تسعى لإرهابنا من خلال القبول بالأمر الواقع أو انتظار المزيد من المعاناة”.

وتروج الحكومة إلى أن تطبيق القوانين والقرارات المثيرة للجدل تستهدف الإصلاح وتحسين أحوال البسطاء، لكن واقعيّا، تظل هذه الفئة أكثر الذين تأثروا سلبا بتشريعات وقرارات الحكومة.

ويوحي التجميد المؤقت لقانون استئصال وزراعة القرنية، بأن إقرار مجلس النواب المصري نحو 300 قانون خلال العامين الماضيين، لا يعني تطبيقها حرفيا مع إمكانية إجراء مراجعات واسعة لبعضها، بعدما تبين أن إصدارها شيء، وتنفيذها شيء آخر”.

وتخشى دوائر حكومية أن يتصاعد التمرّد على تطبيق القوانين ليشمل تشريعات أخرى، مهما كانت مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية، على غرار عدم تجاوب أكثر الأسر مع قانون الضريبة العقارية الأخير، برغم التحذير من عواقب ذلك عليهم، ودفع غرامات مالية.

ويلفت مراقبون إلى أن عدم التجاوب مع القوانين سوف يؤدي إلى عرقلة الكثير من المشروعات، وعلى الحكومة البحث عن وسيلة لتجسير الهوة مع المواطنين.

وبدأت شخصيات سياسية وحزبية وعامة بالمطالبة بضرورة مراجعة فحوى القوانين التي أصدرها البرلمان في الآونة الأخيرة، للوقوف على بنودها والكشف عن تبعات تنفيذها والضغط في اتجاه تعديلها، لتجنب صعوبات التطبيق.

6