التجميل بين الهوس ومجاراة العصر

الأحد 2016/04/03
خلط بين الصورة والهوية

تونس - يعتبر التجميل من أقدم الممارسات البشرية على مرّ العصور استجابة لبعض الوظائف والمعتقدات منها ما هو دنيوي ومنها ما يتعلق بالمقدس. فقد عرف الوشم على سبيل المثال كأداة ووسيلة تجميل منذ القدم عند الشعوب والأمم أي 3400 عام قبل الميلاد حيث استخدم من قبل الحضارات القديمة، مثل الفراعنة والمايا وقبائل شمال ووسط أوروبا.. أما جراحات التجميل فقد بدأت في الهند منذ نهاية القرن 18 وفي أميركا في القرن 19 ولم تصبح مثل تلك الجراحات مألوفة في أوروبا إلا في القرنين الـ19 والـ20.

فالبحث عن الجمال في الذات وفي المظهر ومحاولة إبرازه كان ولا يزال همّا يرافق الإنسان منذ القديم، غير أن التنميط والتسليع الذي تعرض له المجتمع الحديث والمعاصر جعل منه شبحا يطارد الإنسان، يقلقه ويرهق ميزانيته ويعرض صحته للخطر. فموجة الإعلام الاستهلاكي فرضت معايير معينة ومقاييس متغيرة للجمال وسوّقتها على نطاق واسع حتى بات الجمال سلعة تباع وتشترى وتتغير معاييره من سنة إلى أخرى حسب الأذواق الخاصة للمتاجرين في سوق الجمال والموضة.

لقد رحلت بلا عودة أيام الرضا عن الذات عند الوقوف أمام المرآة فلم يعد الاهتمام بالشكل من الكماليات وإنّما من الضروريات الحياتية لبعض الأشخاص، فتحوّل الجمال إلى هاجس عند المرأة والمجتمع معاً، لقد وصلنا الآن إلى مرحلة الهوس بالصورة بحيث أصبح الاهتمام بها من أهم الضروريات في حياتنا وقد أصبحت من أكثر المواضيع استهلاكا وتداولا ولم تعد مسألة تهم النساء فقط بل تهمّ الرجال وتقريبا جميع الفئات العمرية والاجتماعية والشباب بصفة عامة والمراهقين بالخصوص حيث يبحثون عن التفرد والتميز والبروز وجلب الانتباه والحصول على القبول الاجتماعي من طرف الآخرين، فالاهتمام بالشكل الخارجي عندهم شكل من أشكال التعبير والتواصل.

لكن ما يلفت الانتباه أن المظاهر أصبحت تقريبا لغة التخاطب الوحيدة لدى جلّ فئات المجتمع والأداة الوحيدة للتعبير عن الذات والشخصية والانتماء وتحتل المكانة الأبرز في سلم اهتماماتهم. والقيام بعمليات التجميل يتعدى في بعض الأحيان مجرد البحث عن الظهور بشكل جميل ومقبول بل أصبح المظهر هو الحياة نفسها فتكاد تقتصر الاهتمامات النسائية والشبابية على تصفح مجلات الموضة ومشاهدة البرامج التلفزيونية التي تعرض آخر «الصيحات» و«الصرعات» في مجال التجميل والملابس. لقد أصبح المظهر عنصرا أساسيا في صياغة علاقات اجتماعية لدى الجميع فإذا كنت «أنيقا» و«جذابا»، حسب المقاييس الجديدة، فإنك ستترك انطباعا جيدا لدى غيرك وهذا ما سيفتح لك العديد من الأبواب على المستوى الشخصي والاجتماعي وربما حتى على المستوى المهني. فهل المسألة مجرد مسألة جمالية وذوقية فقط أم أنها أكبر من ذلك بكثير؟ هي في الغالب ينطبق عليها قول ابن خلدون “اقتداء المغلوب بالغالب”، فنحن اليوم في عصر الصورة بامتياز وهوسنا بالموضة هو امتداد لهوسنا بالصورة.

أصبحنا نعيش خلطا بين الصورة والهوية بحيث أصبح أوسع مجال للتعبير فيه عن ذواتنا ومكانتنا وإمكانياتنا وشخصياتنا هي الصورة الجسدية والاجتماعية فأصبحنا نستثمر في الصورة أكثر من استثمارنا في ذواتنا وهذا ما يفسر جزءا من ولعنا “المرضي” بالصورة. هو إذن نوع من البحث عن التمايز والاندماج والثورة على القيم الاجتماعية القائمة.

إن المظهر شيء مهمّ في حياتنا فهو أول رسالة تصل للطرف الآخر وهو الوسيلة الأولى التي نعبّر بها عن أنفسنا واعتنائنا بمظهرنا يعني اعتناءنا بأن تكون رسالتنا الأولى التي يتلقاها الآخرون منا رسالة واضحة ومقبولة وجميلة وما يفسد هذه الرسالة ويشوش عليها هو إغراقنا في البحث عن التميّز والتفرّد إلى درجة تغيب على مظهرنا كل الدلالات والمعاني الجمالية.

باحث في علم الاجتماع

20