التجميل ثورة في أذهان الشباب تجتاح المجتمعات المحافظة

لم يعد مجال التجميل والموضة حكرا على النساء، إذ تحوّل إلى ظاهرة شبابية في المجتمعات العربية والمحافظة، لا يعيقها ارتفاع التكاليف أو محدودية الدخل، وأصبح المفهوم السائد أنه يحق للرجل مثل النساء الحصول على العناية والإطلالة الجميلة.
الأحد 2018/02/25
التجميل لم يعد اختصاصا نسائيا بحتا

لندن – شهدت السنوات الأخيرة إقبالا واسعا من الشباب على عالم التجميل والموضة، مدفوعا بالنزعة إلى الكمال والمثالية التي عززتها مواقع التواصل الاجتماعي، بصور المشاهير ونجوم السينما في آخر إطلالاتهم ونشاطاتهم، ولم يعد هذا المجال حكرا على النساء، بل أصبح من أولويات الشباب الحصول على مظهر جذاب وأنيق، ووجه خال من الشوائب والرؤوس السوداء.
وانتشرت صالونات التجميل الرجالية في كل مكان، وبات الشباب أيضا يقضون أوقاتاً في تلك الأماكن المجهزة بآلات لتنظيف البشرة والعناية بها، وحمامات للجسم، إضافة إلى فني تدليك، وصارت مهنة تدر ربحاً، يكاد يكون موازياً، لما توفره صالونات النساء.
تجارة رابحة
يقول إياد المالكي أحد أصحاب صالونات التجميل في دمشق، “من المهم متابعة اهتمامات ومتطلبات الشباب، لأبقي عملي مستمرا ويدرّ عليّ الأموال، ومهما كانت الأشياء التي سأضطر لإضافتها سأعمل عليها لأبقي صالوني مفتوحا، المهم هو الربح بالنسبة لي في النهاية”.
وتعتبر منية بوكعباش من الجزائر، أن الشباب أفرطوا في اللجوء إلى التجميل وآخر صيحات الموضة حتى فاقوا البنات أحيانا،
وأضافت في تصريحات لـ”العرب”، “قديما كانوا يقولون ‘الزين للنساء والنساء للرجال والرجال للمحنة والمحنة لمن يقدر عليها’، أما الآن فصار الزين للرجال. بعض أنواع التجميل تكلف مبالغ باهظة، ولا نستطيع تحملها لكن الشباب لا يعبؤون بهذا الأمر، فمثلا الكيراتين، ديفريساج، ليساج، ماسك، نمص الحواجب، أنا لم أقم بها كلها لغلاء سعرها، لكن شباب اليوم يقبلون على القيام بذلك ودون أي خجل”.
ويشير بعض الأولياء إلى أن وسائل الإعلام من قنوات فضائية والإنترنت، هي السبب الأول في التقليد الأعمى للفنانين والرياضيين، وبلوغ الأبناء حد الهوس بهم، وبما يأتي من الغرب، ما تسبب بعدم القدرة على السيطرة على جيل اليوم، بالإضافة إلى الانفتاح الكبير الذي نعيشه، مما دفع الأبناء إلى ممارسة هذه السلوكيات.
ويمسك خبراء التجميل العصا من المنتصف ويعتبرون أن الاهتمام بالمظهر مكملا للشخصية، وعلى الشباب أن يحافظوا على بشرتهم ومظهرهم، وأن يسايروا خطوط الموضة العالمية مع مراعاة اختيار ما هو مناسب لشكلهم وإمكانياتهم المادية، فالجمال مطلوب لكن بحدود لا يجب تجاوزها، وبتكلفة بسيطة ولا تخرج عن عادات المجتمع وتقاليده وهذا الشكل البسيط يدعم ثقته بنفسه، فلجوء الشاب للبساطة وعدم التكلف دليل قوي على أنه يمتلك فكرا جيدا وهدفا يسعى لتحقيقه، ويجب التركيز ألاّ يخرج من رجولته ويتشبه بالإناث ليبقى رجلا ذا هبة.

انفتاح المجتمعات المحافظة

لم تقتصر هذه الموجة على بلدان دون أخرى، إذ طالت حتى مجتمعات شديدة المحافظة والانغلاق، مثل باكستان المعروفة بمعايير رجولة خاصة مثل الشعر الكثيف والشاربين العريضين. فمنذ سنوات قليلة بدأ الباكستانيون الذكور يعتنون كثيرا بمظهرهم. وظهرت ميولا جديدة في المدن الكبرى حيث بدأت “صالونات تزيين” للرجال تفتح أبوابها. على غرار صالون “منز” الحديث المزين بإكسسوارات وصور قديمة، تشبه تلك الصالونات الموجودة في لندن ونيويورك.

مواقع التواصل الاجتماعي المؤثر الرئيسي على الشباب فهي تتحدث عن رفاه الرجل وأهمية المظهر الخارجي

ويمكن للشباب الراغبين بمواكبة الموضة، اللجوء إلى صالون “منز” للتزيين المخصص للرجال في إسلام آباد، الذي يقدم خدمات من قبيل تُقليم الأظافر وإزالة البثور السوداء، وارتشاف القهوة فيما المقصات تشذب شعر الزبائن.
ويلقى فيها الزبون عناية بالبشرة وبأظافر القدمين واليدين على خلفية موسيقى فولك باكستانية. ويقول توفيق حيدر صاحب الصالون الذي فتح أبوابه في العام 2015 “يحق للرجل مثل النساء الحصول على العناية وقد تبدل الوضع ولا تقتصر الخدمة على تصفيف الشعر أو قصه”.
وفي حين أثرت بوليوود والأفلام الغربية طويلا على ميول سكان المدن الباكستانيين، باتت وسائل التواصل الاجتماعي هي المؤثر الرئيسي. فهي تتحدث عن رفاه الرجل وأهمية المظهر الخارجي.
ويقول اللبناني مايكل كنعان وهو صاحب صالونين للتزيين في باكستان حيث يقيم منذ أكثر من عشر سنوات “الرجل الباكستاني بات يعتني بمظهره. وهذا عائد خصوصا إلى الإنترنت والقنوات الفضائية”.
يتابع مئات آلاف من الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي ما ينشره “المؤثران” عدنان مالك وعثمان خالد بات، عن الموضة.
وتلعب الحملات الإعلانية عبر الإنترنت دورا أيضا على ما يفيد خبير الاقتصاد منهج الحق الذي يعتبر أن “التسويق الذكي لمساحيق التجميل للرجال يحفز الطلب”. ومن العوامل المساعدة أيضا الزيادة السريعة في الطبقة الوسطى في باكستان المستعدة للإنفاق على تحسين المظهر الخارجي مع ارتفاع العائدات.
وصالونات التزيين ليست المستفيد الوحيد من هذا الميل الجديد. حيث يقول زفار بختوار رئيس مجموعة “د. واتسون” وهي سلسلة صيدليات كبيرة في باكستان “ثمة ثورة فعلية تحصل في ذهن الرجال في باكستان. فهم باتوا يدركون أكثر جمالهم ويعتنون بوجههم وشعرهم وملابسهم. إنها ثورة كبيرة”.
شهدت العيادات والمستشفيات التجميلية في العالم العربي نوعا جديدا من المرضى “الزبائن” أصبح ظاهرا للعيان في السنوات الأخيرة، ولم تعد عمليات التجميل تقتصر على الحاجات العلاجية أو الترميمية، حيث أصبح الجمال وحلم الشباب الدائم هاجس الرجل، ولم تعد عمليات التجميل حكراً على المرأة.

ازدهار عمليات التجميل

وقد كشفت دراسة علمية قام بها عدد من طالبات كلية الطب في جامعة الملك سعود مؤخرًا أنّ 30 بالمئة من السعوديين يتطلعون إلى الخضوع لجراحات تجميل الأنف، وذلك لرغبتهم في الحصول على أنف أكثر جمالًا وتناسقًا مع وجوههم، وأشارت الدراسة إلى أنّ 70 بالمئة منهم يجهلون المضاعفات المترتبة على مثل هذا النوع من الجراحات.

لا حرج من عمليات التجميل الرجالية
لا حرج من عمليات التجميل الرجالية

وتصل نسبة الشباب السعوديين الذين يذهبون لعيادات التجميل إلى نحو 50 بالمئة من إجمالي عدد الشباب، وفق الدراسة، ويعد تجميل الأنف من أكثر العمليات رواجاً، ثم الليزر لإزالة الشعر غير المرغوب به. وأوضحت الدراسة أنّ السعوديين لا يفضلون شكل الأنف الأوروبي الذي أجمعت دراسات عدة على زيادة الإقبال عليه عالميّاً بسبب عدم مناسبته لملامح الوجه العربي في الغالب.
ورغم هذا الإقبال إلا أن الآراء مازالت متباينة حول الموضوع بين مؤيد ومعارض للعمليات التجميلية وبين من يوافق عليها إذا اقتضت الضرورة، وقال ناصر عبدالرحمن في تصريحات لـ”االعرب”، “أتفهم أحيانا الحاجة إلى تحسين المظهر العام عندما يكون هناك شيء مزعجا ولافتا للنظر، فإذا كنت أعاني من هذه المشكلة لن أتردد في إجراء عملية، لكن لا أوافق البعض الذين أصبح لديهم التجميل هاجسا وبالغوا في الأمر”.
وكشف الدكتور حسن كلداري، الأستاذ بكلية الطب جامعة الإمارات، واستشاري الأمراض الجلدية، أن هناك زيادة مطردة في إقبال الرجال على عمليات التجميل في المنطقة، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبتهم ارتفعت إلى 20 بالمئة من إجمالي عمليات التجميل مؤخرا بعد أن كانت 10 بالمئة قبل بضع سنوات، وكانت 5 بالمئة فقط قبل أكثر من 10 سنوات.
وقال خلال نقاش في الدورة السنوية المتخصصة لمؤتمر ومعرض دبي العالمي لأمراض الجلد والليزر (دبي ديرما)، أن عمليات البوتكس تأتي في المرتبة الأولى بين عمليات التجميل، بنسبة تصل إلى 15 بالمئة، يليها الفيلرز بنسبة 10 بالمئة، وثالثا استخدام الليزر في إزالة الشعر بنسبة 8 بالمئة، ورابعا التقشير بنسبة 5 بالمئة من إجمالي أنواع عمليات التجميل الكثيرة والمتنوعة.
ونصح الشباب الذين تجاوزا الـ20 عاما بقليل، بعدم حقن أنفسهم دون ضرورة لأن الجلد ما زال في مرحلة الشباب ولا توجد حاجة طبية للحقن، وقال إن “البعض أصبح يتعامل مع الحقن بالبوتكس كأن الأمر موضة، وهذا غير صحيح طبيا، لأن البوتكس قد يؤثر على حركة العضلات”.
انتشرت أيضا في العراق عمليات التجميل بـشكل لافت في السنوات الأخيرة تماشيا مع هذه الموجة العالمية، والتجارة الرابحة، وأصبح التجميل ظاهرة اجتماعية يحرص عليها الرجال والنساء، رغم تكاليفها المالية الباهظة. ولم تعد تقتصر على الطبقات الميسورة، بل باتت تشكل هوسا حتى لمحدودي الدخل.
ويقول الشاب علي الشمري في تصريحات لـ”العرب”، “بالرغم من أن عمليات التجميل أحيانا ضرورية لإصلاح عيوب خلقية، إلا أن هذه العمليات أصبحت ظاهرة في العراق لتقليد المشاهير والنجوم”.
وباتت الإعلانات تملأ الشوارع الرئيسة ومداخل المدن تحفز كلا الجنسين على إجراء عمليات التجميل في عيادات متخصصة، منها ما هو مرخص ومنها ما هو غير مرخص، وهذا الأمر يشمل الكثير من المدن العراقية وليس مقتصرا على بغداد.
وأقامت وزارة الصحة العراقية حملات عديدة لإغلاق مراكز التجميل غير المرخصة، إلا أن صالونات الحلاقة ما زالت تمارس عملها، ومراكز التجميل تستقطب يوميا العشرات من النساء لإجراء عمليات تحسين المظهر أو تغيير الشكل، ومن بينها حقن البوتكس لتخفيف أو إزالة تجاعيد الوجه أو الخطوط في الجبين وحول العينين، أو حقن إبرة الفيلرز لملء فراغات الوجه.

19