التجميل يعيد صياغة مفاهيم الجمال والأنوثة في الثقافة العربية

لم تعد مصطلحات الجمال والتجميل بأنواعه حكرا على النساء بل شملت أيضا الرجال في المجتمعات العربية وهو ما يحيلنا إلى أن الطفرة العلمية التي يشهدها عالم التجميل واكبتها طفرة أخرى في الاهتمام بالمظهر لدى الفرد وهو ما يرجعه الباحثون في علم الاجتماع وعلم النفس إلى الأهمية البالغة التي اكتسبتها الصورة في العصر الراهن بسبب الانفتاح والتطور التقني والعلمي، وكذلك وسائل الاتصال التي جعلت الصورة أكثر ما يشدّ الإنسان، لذلك تزايد اهتمامه بها لدورها في التعبير.
الأحد 2016/04/03
حقن من أجل مجاراة الموضة

منذ عقود قليلة لم تكن البعض من المصطلحات المتعلقة بالتجميل والرشاقة متداولة كثيرا ولم تكن الغالبية من الناس يعرفونها مثل البوتوكس والسيليكون والشفط والتخسيس والرموش والشعر الاصطناعي وغيرها، لكن في السنوات الأخيرة ومع تطور المجتمعات العربية وانفتاحها على محيطها واتصالها وتواصلها بباقي المجتمعات في العالم دخلت على الثقافة العربية توجهات ونزعات جديدة أصبح بعضها بمقتضى الزمن يندرج في خانة العادات التي جلبت بدورها مصطلحات ومفاهيم حديثة وأيضا تغييرات كثيرة لدى الأفراد والمجموعات خاصة في النظرة للنفس وللآخر. فتغير سلوك الفرد تجاه جسده وكذلك تغيرت اعتباراته والقيمة التي يوليها للمظهر الخارجي ولأجساد الغير التي تعد أول ناقل للمعلومة وأول ما يشاهد ويعطي أفكارا وانطباعات عن الآخر.

المعلوم أن المرأة تعير اهتماما كبيرا لجمالها ولرشاقتها لأنها تصوّر وتعتبر في جميع الثقافات رمزا للجمال والإغراء والفتنة فيتغزل الشعراء بجمال حبيباتهن ويرسم التشكيليون مفاتن المرأة في لوحاتهم ومنحوتاتهم وغيرها وتكاد لا تخلو أيّ من الحضارات القديمة من آثار هذه الرمزية التي تقرن المرأة بآيات الجمال ورؤاه المختلفة، غير أن هذا الاهتمام ازداد منسوبه في المجتمعات العربية خاصة عندما بدأت المرأة تخرج من النطاق الضيق، أي من المنزل، إلى الفضاء الخارجي إما للتعلم أو للعمل فأصبحت تراعي مظهرها إما إرضاء لرغباتها الشخصية في أن تكون في أبهى صورها أو مراعاة لمحيطها لتبدو الأجمل في نظر الزوج أو الأقارب أو جلبا للأنظار في الفضاء العام.

ومهما تنوعت الغايات فلا نقاش في اهتمام المرأة بجمالها ومظهرها بما أتيح لها فحتى النساء في المجتمعات المحافظة والمجتمعات الريفية وفي الطبقات الاجتماعية الأقل إمكانيات مادية والأقل انفتاحا يحاولن اظهار جمالهن وفق ما يسمح به محيطهن.

المثير في نظرة الفرد والمجتمع للجمال وللمظهر والصورة هو تزايد اهتمام الرجال بمظهرهم حتى أن عددا هاما منهم لم يعد يجد حرجا في إبراز عضلاته وأيضا بجمال وجهه

المثير في نظرة الفرد والمجتمع للجمال وللمظهر والصورة هو تزايد اهتمام الرجال بمظهرهم حتى أن عددا هاما منهم لم يعد يجد حرجا في إبراز عضلاته وأيضا بجمال وجهه فأصبحنا نجد في الأسواق العربية مستحضرات تجميلية خاصة بالرجل وكذلك مستحضرات للتسمين والتضعيف وأصبح الرجال يقصدون صالات التجميل ليس فقط للحلاقة بل أيضا للاعتناء بالبشرة والجسم.

كما نجدهم يقبلون على عمليات التجميل بأنواعها حتى الجراحية منها، وقد أثبتت العديد من الدراسات، وكذلك رأي خبراء التجميل، أن الرجل الشرقي والعربي أصبح من بين زبائن محلات وعيادات التجميل. غير أن الرجال الذين يهتمون أكثر بجمالهم وببشرتهم والمتأثرون بالموضة أو بالتوجهات الطارئة والمتجددة على الذوق العام كثيرا ما يتعرضون للانتقاد ويتهم الرجل الذي تبدو عليه مستحضرات التجميل أو تصفيف الحواجب بأن لديه ميولات جنسية شاذة لأنه يتشبّه بالنساء بغرض الإثارة. ولعل هذا الاتهام بالتحديد يبين أن الثقافة العربية والإسلامية لم تتقبل فكرة أن يكون الرجل أيضا رمزا للجمال وتدينه إذا ظهر عليه اهتمام زائد بمظهره وشكله.

وبحسب علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي فإن ما تشهده المجتمعات العربية من تطور فكري وثقافي وعاطفي أدّى إلى تغير معايير الأنوثة والجمال وهو ما أنتج طبيعيا إعادة صياغة لمفاهيم الرجولة والوسامة عند الذكور، فتمثل المرأة لصورة الرجل المثالي بات أكثر ارتباطا برشاقته ووسامته وتخلّى شيئا فشيئا عن مفاهيم الخشونة. وهذا التمثل الأنثوي لطريقة نظر المرأة للرجل أثّر على توجهات الرجال أنفسهم وغيّر خياراتهم الجمالية والتجميلية لأن الرجل يسعى غريزيا لجلب اهتمام وإعجاب النساء من حوله، فهو لم يعد بالنسبة إلى المرأة مصدرا للقوة والحماية والسلطة والإدارة فحسب بل أصبح أيضا الشريك والحبيب والرومنسي والجذّاب انطلاقا من مسايرته لموضة العصر المتطورة.
مهما تنوعت الغايات فلا نقاش في اهتمام المرأة بجمالها ومظهرها بما أتيح لها فحتى النساء في المجتمعات المحافظة وفي الطبقات الاجتماعية الأقل إمكانيات مادية يحاولن اظهار جمالهن وفق ما يسمح به محيطهن

قديما لم نكن نلاحظ رجالا يضعون الكريمات الواقية من الشمس مثلا ولا يستخدمون كريمات تليين البشرة في اليدين كما لم يكن الرجال يرتدون سراويل وقمصانا بألوان مشرقة وفاتحة طالما ارتبطت بلباس النساء مثل الأحمر والوردي والبنفسجي وغيرها، أما اليوم فأصبح الشبان والمراهقون يتّبعون الموضة بطريقة تفوق أحيانا اتّباع الفتيات لها.

من ناحية أخرى يقدم الواقع العربي اليومي ومن خلال الإحصائيات لمختلف الدول العربية، وخاصة منها دول الخليج العربي، دليلا قطعيا على تزايد الاهتمام بالمظهر والجمال، وذلك من خلال الاقبال على أكثر أنواع التجميل إثارة للجدل وهي جراحات التجميل والتي تقوم ليس على الجراحة لأجل الترميم أو إصلاح تشوّه حاصل جراء حادث يتعرض له الشخص فيشوّه ملامحه بل تلك العمليات التي يقدم عليها النساء والرجال لتغيير ملامح وتقاسيم الوجه أو الجسد ليصبح أكثر نحافة مواكبة لمقاييس جمال الأجساد الحديثة ولفرط السرعة في تغيّر نزعات الموضة ولهث بعض المولعات بعمليات التجميل وراءها لمواكبة أحدث صيحات التجميل فإنهن تصبحن مهووسات بذلك دون إدراك للآثار الصحية السلبية، لذلك تصبح عمليات التجميل نوعا من الإدمان المرضي وهوسا بالمظهر يبطّن مشاكل نفسية عديدة لا تدركها غالبية الحالات المصابة بها.

وكان لبنان يعدّ من أكثر الدول العربية المشهورة بمراكز وعيادات التجميل والجراحة ذلك أنه ولسنوات قليلة تقبل اللبنانيات أكثر من غيرهن على هذه العمليات، كما أن البنوك هناك تمنح القروض للقيام بعمليات تجميل أكثر من موافقتها على باقي أنواع القروض.

وفي السنوات الأخيرة تحولت إمارة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى وجهة للقيام بعمليات التجميل الجراحية والسطحية بعد إنشاء مركز التجميل الطبي العالمي الذي جعلها مقصدا لأطباء وجرّاحي التجميل في مختلف الاختصاصات وكذلك جعلها تستقطب المقبلين على هذه العمليات من دول الجوار ومن العديد من الدول العربية والغربية وبذلك احتلت صدارة العالم العربي في مجال التجميل عوضا عن لبنان.

صحافية من تونس

20