التجنيس طريق الرياضيين المصريين للهروب من الإهمال

القاهرة سعت لمواجهة ظاهرة التجنيس، بفتح الاكتتاب لجمع التبرّعات لفائدة الصندوق الخيري الأول لدعم الرياضة للإنفاق على الأبطال المتميزين في بعض الألعاب الفردية.
الاثنين 2018/07/30
المصارع طارق عبدالسلام اختار ارتداء قميص بلغاريا
 

عززت معاناة أبطال رياضيين في مصر من الإهمال في الألعاب الفردية، المعروفة بـ”الشهيدة”، الشعور داخلهم بأنهم لا قيمة لهم في بلدهم. ودفع ذلك البعض من الشباب إلى ولوج طريق آخر مغر ماديا ومعنويا وهو التجنيس. ورغم المكاسب التي ينالها الرياضيون المجنسون، تبقى إنجازاتهم منقوصة وتفتقد إلى الانتماء الحقيقي الذي لن يجدوه في وطنهم الجديد.

القاهرة- نشر لاعب منتخب مصر للمصارعة محمود فوزي مؤخرا، صورة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وهو يرتدي قميص المنتخب الأميركي، وكتب الشاب العشريني معلقا على الصورة “أنا في ولاية كاليفورنيا وموعدنا أولمبياد طوكيو إن شاء الله”، في إشارة إلى أنه سوف يلعب لصالح المنتخب الأميركي.  وكشفت كلمات اللاعب عن وقوع ضحية جديدة من ضحايا التجنيس للعب لصالح دولة أخرى، وهي أزمة متكررة تحدث بسبب إهمال الاتحادات الرياضية وغياب ثقافة الاحتواء عند مسؤوليها، لا سيما أن التاريخ يشهد لاتحاد المصارعة في مصر بأنه بطل هذه الأزمات.

والدليل، الثنائي، اللاعب كرم جابر الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الحصول على الجنسية الأميركية، ومحمد عبدالفتاح الشهير بـ”بوجي” والذي يلعب باسم منتخب البحرين.

سعت القاهرة لمواجهة ظاهرة التجنيس، بفتح الاكتتاب لجمع التبرّعات لفائدة الصندوق الخيري الأول لدعم الرياضة. وأُطلق الصندوق تحت رعاية الحكومة في مارس الماضي، تحت اسم صندوق الرياضة المصري، برأس مال مدفوع قدره 5 ملايين جنيه، ما يوازي 283 ألف دولار، كمرحلة أولى.

جاء تدشين الصندوق بعد جلسة للبرلمان جمعت بين لجنتي الشباب والرياضة والعلاقات الخارجية، وطالبت الأخيرة بالتدخل لوضع حلول لظاهرة تجنيس اللاعبين المصريين، ويهدف الصندوق إلى جمع تبرعات قيمتها 250 مليون جنيه، (14 مليون دولار)، في النصف الأول من العام الجاري 2018، ويزيد المبلغ إلى مليار جنيه (56 مليون دولار) خلال 18 شهرا.

معاناة المصارع محمود فوزي تعود إلى مايو الماضي، عندما قرر الاتحاد المصري للمصارعة إيقافه مدة عامين

كان رئيس لجنة الشباب والرياضة في البرلمان المصري فرج عامر، حذر خلال إحدى جلسات الاستماع البرلمانية، من انتهاج عدد من الدول لسياسة تجنيس الشباب الرياضيين المصريين، وخص بالذكر كل من قطر والولايات المتحدة، وطالب بإنشاء صندوق للإنفاق على الأبطال المتميزين في بعض الألعاب الفردية لمواجهة هذه الظاهرة.

الغريب في الأمر هو أن اسم (عامر) كان قاسما مشتركا في قضية لاعب المصارعة محمود فوزي، ما يؤكد أن الأزمة ليست في المال فقط، بل في غياب سياسة الاحتواء لدى المسؤولين الكبار عن الرياضة في مصر، وعدم تفهمهم لكيفية التعامل مع مثل هذه الأزمات، لأن بعضهم يظهر عقب كل أزمة وقد انتفخت أوداجه ليتهم اللاعبين الهاربين بالخيانة والعمالة وضعف الانتماء.

وتعود معاناة المصارع محمود فوزي إلى مايو الماضي، عندما قرر الاتحاد المصري للمصارعة إيقافه لمدة عامين، بعد أن نشر اللاعب عبر صفحته على “فيسبوك”، مقطع فيديو يشكو فيه من أنه تعرض للاضطهاد من مسؤولي اتحاد المصارعة، من أجل مجاملة فرج عامر. وكشف استبعاده من بعثة المنتخب المشاركة في بطولة العالم، من أجل تسجيل لاعب آخر، وهو نجل أحد أصدقاء فرج عامر، برغم أن فوزي مصنف ضمن أفضل 10لاعبين في العالم عامي 2016 و2017. وقتها نفى فرج عامر الذي يترأس نادي سموحة الإسكندري، تلك الاتهامات وشدد على مقاضاة اللاعب بسبب ما وصفه بالإدعاءات الكاذبة.

وبرر الاتحاد المصري للمصارعة قرار استبعاد فوزي قائلا، إن اللاعب الآخر لعب مع فوزي مباراتين وفاز عليه فيهما، لذا تم اختياره للسفر مع بعثة المنتخب، وتم إيقاف اللاعب وتحويله إلى التحقيق ليسافر خارج البلاد ويعلن اعتزاله للعبة بعد أن انتهى حلمه بالمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية (طوكيو 2020)، تحت راية العلم المصري.

قصة محمود ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، في ظل الإهمال الذي يعاني منه الرياضيون من قبل المسؤولين عن الرياضة في مصر، بل هم من يعالج الخطأ بخطأ مماثل يؤدي في النهاية إلى هروب اللاعب.

جاءت كلمات اللاعب لتدق ناقوس الخطر حول مستقبل الشباب المصري، سواء رياضيين أو غير ذلك، لأن قطاعا عريضا منهم تسيطر عليه الرغبة في الحصول على جنسية دولة أوروبية، زعما أن هناك ستتوفر لهم فرص العمل والحياة الوردية، وقال فوزي، إنه اضطر لبيع سيارته الخاصة لتوفير نفقات السفر والمشاركة في المعسكرات.

تدشين الصندوق جاء بعد جلسة للبرلمان جمعت بين لجنتي الشباب والرياضة والعلاقات الخارجية، وطالبت الأخيرة بالتدخل لوضع حلول لظاهرة تجنيس اللاعبين المصريين

بين البحث عن مورد مالي يوفر نفقات الحياة وتوفير معسكرات تدريبية تليق بالأبطال، وبين الاتهام بضعف الانتماء وربما الخيانة، يعيش أبطال الألعاب الفردية في مصر، فإما الصبر على أجواء تتسم بالمجاملة، وإما الفرار إلى دولة أخرى تعرف معنى الاحتراف والحفاظ على المواهب وبناء الأبطال.

إذا كانت الرياضة تحتاج إلى تفرغ وذهن صاف لاعتلاء منصات التتويج، ففي دولة بحجم مصر هناك لاعب كرة القدم بالدرجة الثالثة يعمل سائق تاكسي، وثاني يعمل في حياكة الملابس، وثالث يعمل بائع شاورما لتوفير نفقات الحياة التي لا توفرها الرياضة.

هناك أيضا الطالب الذي يعاني الأمرين للتوفيق بين المذاكرة والتدريبات، وعند غيابه عن المدرسة أو الجامعة، لتمثيل بلاده في بطولة دولية كبرى، يعود لمواجهة أزمة حرمانه من دخول الامتحانات، وهو ما حدث مع البطلة الأولمبية سارة سمير، الحاصلة على الميدالية البرونزية، ضمن منافسات رفع الأثقال في دورة الألعاب الأولمبية 2016 في ريو دي جانيرو بالبرازيل.

كما عانى لاعب رفع الأثقال محمد إيهاب صاحب برونزية رفع الأثقال في الدورة نفسها، إهمالا شديدا عقب نهاية الدورة الأولمبية، وكان الفارق بينهما وبين المصرية الثالثة التي اعتلت منصة التتويج في ريو دي جانيرو، لاعبة الكاراتية هداية ملاك، هو القدرة المادية، فالأخيرة تنتمي لأسرة ميسورة الحال تتحمل جزءا من نفقات معسكراتها الخارجية وراتب المدرب الخاص.

22