التجهيزات القديمة للمدارس العربية ترهق التلاميذ ولا تلبي احتياجات المعلمين

البيئة المادية للفصل والمدرسة تشكل اللبنة الأولى لشعور التلاميذ بالراحة والأمن والرغبة في التعلم إلى جانب المناهج الدراسية والمعلمين وطرق التدريس الحديثة.
الأحد 2021/01/03
من حقي أن تكون مدرستي جميلة

تلعب المدرسة دورا محوريا في تعليم الأطفال والتأثير في شخصياتهم، وعندما لا تكون هذه البيئة مطابقة للصورة الذهنية التي يحملها التلميذ عن مدرسته التي من المفروض أن تكون آمنة وممتعة في نفس الوقت، يصطدم بالواقع وتنهار لديه الكثير من الأحلام والتوقعات، ويفقد الرغبة في التعلم.

يعد تصميم بيئة الفصل المدرسي أحد العناصر بالغة الأهمية في التأثير على عملية التعليم، حيث يقضي التلاميذ معظم أوقاتهم في المدرسة، إلا أن قاعات الدروس في نسبة كبيرة من المؤسسات التعليمية العربية ما زالت تحتفظ بخصائصها التقليدية من حيث تصميمها وتقسيمها ونوعية أثاثها، رغم ما تلعبه البيئة التعليمية الإيجابية من دور كبير في تحفيز التلاميذ وتقدمهم، فيما تعيق البيئة السلبية الملايين من الأطفال والشباب عن التعلّم.

وتكاد تكون البيئة المادية السلبية للفصل الدراسي، مشكلة شائعة في المدارس العربية التي تتبع نهجا واحدا في شراء أثاث يناسب جميع التلاميذ، رغم أنهم مختلفون في القامة وحجم الجسم، فيما لا تعير الحكومات والإطارات التربوية أي أهمية لمثل هذا الأمر، فيضطر الأطفال إلى استخدام أثاث غير مريح لساعات طويلة في اليوم، ما يؤثر بشكل كبير على مستويات التركيز والأداء وتطوير المهارات، إضافة إلى المشاكل الصحية.

كما تتميز الفصول الدراسية بتقسيم موحد، يكون فيه المعلم في الأمام جالسا على كرسي أو يكتب على السبورة أما الطلاب فيجلسون أمامه في صفوف متوازية يستمعون له ويدونون الملاحظات.

عبدالستار الخديمي: العناية بالفصل في صميم النهوض بالعملية التعليمية
عبدالستار الخديمي: العناية بالفصل في صميم النهوض بالعملية التعليمية

ويقضي كل طفل في المتوسط ​​ست ساعات في اليوم جالسا على الكرسي الذي تمّ استخدامه من الأطفال منذ قبل أكثر من نصف قرن، لكن المشكلة لا تقتصر على كون هذه النوعية من الكراسي غير صحية وتحدِث مضارّ وتغييرات على أجساد التلاميذ، بل تمتد لتؤثر على تركيزهم، والحالة المزاجية والنفسية أثناء الدرس.

مدارس متهالكة

قالت نعيمة رحومة، مرافقة تربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، “بعد غياب لسنوات طويلة عن مقاعد الدراسة دخلت الفصل بميدعة الأستاذة بدل مئزر الطالبة، لكنني وجدت أن ديكور القاعات عبارة عن جسر يصلني بالجيل الأصغر مني، وربما سيصلهم بالجيل الذي سيأتي من بعدهم”.

وأضافت لـ”العرب”، “ما زالت جلّ المدارس العربية تحافظ على تصميمها الداخلي والخارجي، وتحاول أحيانا ترميم المتهالك منها، لكن لا الأثاث ولا المكان صارا مناسبين بالمرة للعصر الحالي، ولا بدّ من تغيير البيئة التعليمية بما يتماشى مع رؤية جيل الإنترنت المنفتح على العالم”.

وأوضحت “لا يمكن أن نطالب أبناءنا بالنجاح والتفوق الدراسي ونحن لا نوفر لهم أبسط حقوقهم في التعلم الآمن والمتكامل، فالفضاء التعليمي التقليدي الممل والمنفصل عن الواقع يشوّه مشاهد الرقي والتطور التي ندّعي الوصول إليها، ويساهم في تسرب الطلبة من مدارسهم ويجعلهم يخفقون تعليميا وينقطعون عن الدراسة في مراحل مبكرة”.

وتؤكد الدراسات على أن البيئة المادية للفصل والمدرسة تشكل اللبنة الأولى لشعور التلاميذ بالراحة والأمن والتحدي والرغبة في التعلم، جنبا إلى جنب مع المناهج الدراسية والمعلمين وطرق التدريس الحديثة، التي تُفعّل عملية التعلم وتجعل التلاميذ أكثر قدرة على الإبداع والتميز، ولهذا السبب يتعين على الحكومات العربية إعادة التفكير مليّا في شأن مناخ التعليم وتكريس المزيد من العناية والجهد لتحسين البيئات التعليمية، والاستثمار في الأثاث عالي الجودة بدل اختيار القطع الأرخص والأقل جودة.

نعيمة رحومة: لا بد من أن تتماشى المدرسة مع رؤية الجيل الجديد
نعيمة رحومة: لا بد من أن تتماشى المدرسة مع رؤية الجيل الجديد

فقدان الرغبة في التعلم

وربط خبراء وأكادميون النجاح الأكاديمي للتلميذ أو الطالب بالبيئة المادية للمدرسة التي تشمل هيكلها وشكلها الهندسي، ومنظرها الخارجي وفضاءها وتجهيزاتها وتصاميم فصولها الدراسية وساحتها وملاعبها وقاعاتها الرياضية.

وأشاد الدكتور الصحبي بن منصور الباحث بجامعة الزيتونة في تونس، بما كانت عليه البيئات التعليمية في مطلع القرن العشرين للميلاد، واصفا المدارس التي تمّ تأسيسها في العالم الإسلامي خلال القرن التاسع ميلادي بالتحف المعمارية، التي تجمع بين جمال البناء وتعدّد الوظائف وتكاملها مع سحر أشجار وزهور الحدائق المحيطة بها والمطلة عليها من نوافذ قاعات الدروس.

وقال بن منصور لـ”العرب”، “كان طالب العلم قديما يقبل على المدرسة وهو يشعر ببهجة عظيمة، بخلاف تلاميذ اليوم الذين يذهبون مكرهين إلى فضاءات يقلّ فيه الرفاه وتفتقر إلى أبسط المقومات الصحية، مقارنة مع ما هو متوفّر في منازلهم”.

وأضاف “المطلوب اليوم من القائمين على شؤون التربية والتعليم في العالمين العربي والإسلامي وحتى من أولياء الأمور والتربويين أنْ يعوا جيدا أنّ نصف القدرة على تحصيل المعرفة مرتبط بتوفير الراحة النفسية للتلميذ من خلال تهيئة قاعة الدرس وتجميلها وتجهيزها ولو بالحدّ الأدنى من تكنولوجيات العصر، حتى لا يشعر التلميذ أنّ مدرسته خارج سياق العصر، وأنّها متأخّرة عن ركب الحضارة”.

وتابع بن منصور حديثه موضحا “هنالك بحث في العالم المتقدم عن كيفية تهيئة المكان من أجل توفير الطاقة الإيجابية لمرتاديه، حيث تُصبح قاعة الدرس مركز جذب للتلميذ، وفضاء ترتاح فيه نفسيته وتتفجّر مواهبه، وهذا من جوهر أهداف الفلسفة الصينية القديمة ’الفنغ شوي’، التي تعني التناغم مع الفضاء المحيط وتدفقات الطاقة من خلال البيئة والتصالح مع النفس وبذلك يستطيع الإنسان التعايش بشكل إيجابي ودون توتر”.

الصحبي بن منصور: القدرة على تحصيل التعلم مرتبطة ببيئة المدرسة
الصحبي بن منصور: القدرة على تحصيل التعلم مرتبطة ببيئة المدرسة

واعتبر الدكتور رشاد لاشين أخصائي طب الأطفال في مصر أن بيئة المدرسة مهمة في حياة الطفل وتؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية والجسدية من عدة جوانب.

وقال لاشين في بحث له “إن الحياة المدرسية تمثل مصدرا مهمّا للنمو والتطور الجسدي والنفسي، فالطفل في البيئة المدرسية يكتسب العادات الصحية المفيدة أو الضارة كما قد يكتسب المهارات النفسية المفيدة أو الضارة وكما قد يكتسب العدوى الميكروبية قد يكتسب العدوى السلوكية أو النفسية لذا وجب حسن استثمار هذه البيئة”.

وثمّن معظم المدرسين تقريبا أهمية اختيار التجهيزات المدرسية المرنة والمناسبة لجميع التلاميذ، مع مراعاة تصميم الفصول الدراسية وفق مخططات وتصميمات تربوية معاصرة، وتهيئة الظروف الصحية والنفسية التي تساعد على تعزيز السلوك التعليمي والإبداعي لدى التلاميذ.

ويرى عبدالستار الخديمي، مدرس التعليم الثانوي في تونس، أن الإطار المكاني جزء مهم في العملية التربوية، بل يكاد يكون له دور محوري في مدى نجاح العملية التعليمية التواصلية بين المدرّس والطالب، وخاصة في المراحل الدراسية الأولى من المرحلة الابتدائية، ويجب على المسؤولين عن الشأن التربوي العناية به، ليكتمل الهدف العام من التربية والتعليم.

وقال الخديمي لـ”العرب”، “الفصل، وهو الإطار المكاني للتمدرس، كلّما كان نظيفا، مرتبا، محفّزا على فعل التعلّم، كلّما أدى دوره في التفاعل الإيجابي والمثمر في إطار العملية التعليمية برمّتها”.

وأضاف “لا ننسى بأنّ المدرّس والمتعلمين لا يمكن أن ينفصلوا عن أجواء أسرهم وأجواء علاقاتهم الاجتماعية والمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي عموما، حيث لا يمكنهم الفصل نهائيا بين الدرس وبين كل ما يحيط بهم خارجه. وعليه تعتبر العناية بالفصل في صميم النهوض بالعملية التعليمية، فيعمد المدرّسون إلى جعل الفضاء محفّزا على التعلّم إما بمساعدة الإطار الإداري وإما بالتعويل على الإمكانيات الذاتية”.

مروة بن عرفي: مخططات المدارس يجب أن تستجيب لاحتياجات التلاميذ
مروة بن عرفي: مخططات المدارس يجب أن تستجيب لاحتياجات التلاميذ

وأكد على أهمية مراعاة نوعية الطلاء الذي يجب أن يكون بألوان زاهية تبتعد عن القتامة والضبابية حتى تساهم في انشراح نفسية التلاميذ وبعث موجات إيجابية في نفوسهم تجعلهم يقبلون متفائلين على التعلّم.

وشدد أيضا على دور الإضاءة في شحن همم التلاميذ وتقوية تركيزهم مشيرا إلى ضرورة ألّا تكون خافتة بحيث تبعث على الخمول ولا تكون قوية فتؤثر على النظر وبالتالي على التركيز.

وأوضح الخديمي قائلا “كلما كانت السبورة نظيفة كلما قل تشتيت أذهان التلاميذ وهو ما يجعلهم ينسجمون مع المدرّس ومع الدرس، أما المعلقات فهي نوعان؛ منها المعلقات لمشخصات بشرية أو طبيعية ودورها ينسجم مع لون الطلاء والإضاءة ونظافة المكان والسبورة، ومنها الموجّهة والتي تضطلع بأدوار إبلاغية إفهامية في إطار أنساق التعلّم المختلفة وأنشطته”.

وأضاف “على المدرس أيضا أن يرتب الطاولات ويصففها في المكان بطريقة مدروسة حتى تؤدي دورها التعليمي، ويحاول من فترة إلى أخرى ابتكار نموذج جيد لهذا الترتيب ليكسر الرتابة والملل”.

وحذر خبراء في علم النفس من بيئة المدارس التي تفتقر إلى المرافق الضرورية والمقومات التي لا تخدم العملیة التعلیمیة ولا تحفز على الإبداع الأكادیمي والعلمي، ويواجه فيها التلاميذ مشكلات صحية ونفسية قد تؤدي بهم إلى تدهور الأداء الدراسي وصعوبات في التعلم.

التحفيز على الإبداع

وأكدت مروة بن عرفي، المختصة التونسية في علم النفس السريري، أنه برغم تطور الكتاب المدرسي والبرامج المدرسية لمواكبة العصر حتى لا تكون هناك فجوة بين المتعلم واقعه المعاصر الذي شهد تغيرات عديدة وسريعة في جميع المجالات، فإن الفضاءات المدرسية ببنيتها الهندسية المعمارية وكل مكوناتها من أثاث ووسائل تعليمية لم تشملها تغييرات جذرية تتلاءم مع متطلبات المتعلمين وطوحهم والوسائل التعليمية التي يطمحون إلى تواجدها داخل البيئات التعليمية التي يمضون فيها ساعات طويلة من يومهم.

خبراء وأكادميون يربطون النجاح الأكاديمي للتلميذ أو الطالب بالبيئة المادية للمدرسة التي تشمل هيكلها وشكلها الهندسي، ومنظرها الخارجي وفضاءها وتجهيزاتها

وقالت بن عرفي لـ”العرب”، “لا ألوان الجدران ولا الأثاث يتماشيان مع متطلبات التلاميذ اليوم في معظم المدارس، كما أن توزيع التلاميذ على الفصول ما زال تقليديا لم يعد يتوافق مع نظام التعلم الحديث الذي يرتكز على المهارات الحياتية وأنماط الذكاء المتعددة وتعزيز الحوار والتواصل الإيجابي في القسم”.

وأضافت “نلاحظ أيضا انعدام الخيارات التي من شأنها أن تتيح لكل تلميذ المفاضلة في المواد والأنشطة التي تعبر عن ميولاته وتستجيب لطموحاته، كما هو الشأن في بعض الدول الغربية التي تعطي الحرية للتلميذ في الاختيار وعدم فرض نظام تعليمي موحد على الجميع بل هنالك برامج فردية تتماشى مع قدرات كل تلميذ”.

 وشددت بن عرفي على ضرورة أن تواكب المخططات الهندسية للمدارس المستقبلية العصر وتستجيب لاحتياجات التلاميذ الصحية والنفسية والتعليمية، وبذلك تكون قادرة على تحفيز رغبتهم في التعلم، ما ينعكس إيجابيا على النتائج المدرسية بشكل عام.

21