التجوال في عقول الرجال

الأمر ليس على طريقة "كوني جميلة واصمتي" بل كوني امرأة حرة..
الثلاثاء 2020/11/24
رقة المرأة لا تتحمل الخوض في المجادلات

قيل للمأمون: ما ألذّ وأعذب الأشياء لديك؟ قال: التجوال في عقول الرجال.

أمّا ما سكت عنه الخليفة المهووس بالكتب، ومؤسس “بيت الحكمة” في بغداد فأفظع وأشدّ مكرا مما قاله، وهو “التجول في عقول النساء”، ذلك أنّ الفاعل قد يصطدم أو يتعثر أثناء تجواله في عقول النساء، بنميمة من هنا وبدسيسة أو مكيدة من هناك.

جال في خاطري هذا الانطباع الذي ستلومني عليه جميع الصديقات، لا بل أقرب القريبات كالابنة والأخت، وحتى أمي لو كانت على قيد الحياة، وستتهمني كل واحدة منهن بالتعصب الذكوري ومعاداة المرأة التي لا تزال الحكومات والقوى الضاغطة في العالم، تزايد عليها بضرورة المساواة وتكافؤ الفرص.. وهلم جرّا من تلك العبارات التي يصدّعون بها رؤوسنا كل يوم، في نشرات الأخبار وجميع المؤتمرات الدولية، حتى صرنا نخشى أن تتحول المسألة إلى لوبيات وأوراق ضغط تُرفع في وجه كل مؤسسة “تخوّل لها نفسها” تقديم ذكر على أنثى، حتى وإن كان ذا خبرة وكفاءة أعلى ممّا تمتلكهما زميلته.

منحوا الإخوانية اليمنية توكل كرمان، جائزة نوبل للسلام فبلعناها وسكتنا، رغم أن المذكورة تعتنق أيديولوجيا تحتقر المرأة وتسلبها جميع حقوقها.. والأمثلة كثيرة في جهاديات ينشرن عقيدة التطرف، وإناث كثيرات يعتلين مناصب متقدمة وفاعلة في لجم حرية المرأة ومناصرة الذكر ضدها.

هل يضطر الواحد في مستهلّ حديث ينتقد فيه سلوك امرأة خاطئة، أن يقسم على الملأ ـ وبأغلظ الإيمان ـ أنه يحترم المرأة ويساند مساواتها بل تفضيلها على الرجل، ثم يقول كلمته بمنتهى الحذر والدقة في اختيار العبارات المناسبة.

أقول قولي هذا، يوم عيد الرجل، وأستغفر لي ولجميع الرجال إن كان واحد منا قد أساء الظن بامرأة ما، وفي مكان ما من هذا العالم الذي لا يمكن له أن ينبض بالأمان ما لم يؤنث، ويسير على نبض امرأة.

أمّا ما أراد الخليفة العباسي قوله من وراء عبارته “التجول في عقول الرجال”، دون النساء، فهو أن رقة المرأة لا تتحمل الخوض في المطارحات والمجادلات التي لا طائل من ورائها، سوى إثارة النعرات والتحزبات، وإشعال الحروب على جميع أنواعها.

هذا ما خمنته شخصيا، ولكن.. قولوا لي بربكم، هل يوجد في تاريخ الأدب والفكر، مؤنث هيغل أو نيتشه أو أبي الطيب المتنبي. هل سبق أن قرأتم لـ”شكسبيرة” أو “مولييرة” في المسرح. الأهم والأخطر من ذلك، هل قرأتم في قصص الحب عن “مجنونة قيس” أو “مجنونة أراغون” أو حتى قرأتم قصيدة لعبلة تتغزل فيها بعنترة.

ليس الأمر على طريقة “كوني جميلة واصمتي”، بل كوني امرأة حرة تنجب جميع هؤلاء وتربيهم بمن فيهم أولئك الذين يتباهون بالتجوال في عقول الرجال.

24
مقالات ذات صلة