التحالفات الأميركية الجديدة والمستقبل العربي

الخميس 2015/08/13

شهدت هذه السنة تحولات خطيرة في منطقة الشرق الأوسط شبيهة بتلك التي حدثت بعد الحروب العالمية حيث يعاد تخريط العالم لصالح القوى المنتصرة، وعلى حساب الطرف المنهزم في الصراع، وأن ما يتم تطبيقه على الواقع اليوم في الشرق الأوسط هو عبارة عن ردات وارتدادات عكسية لسقوط الاتحاد السوفييتي عام 1989 وما حدث بعده من تداعيات إقليمية مثل الاجتياح العراقي للكويت والغزو الأميركي للعراق، حتى بلغ مراحله الشمولية بما سمي بثورات الربيع العربي نهاية 2010 وبداية 2011.

والجديد في إعادة تخريط المنطقة العربية هذه المرة أنه في السابق كان محور إعادة التقسيم يعتمد على العامل الجيوإستراتيجي والمصالح الاقتصادية، ولكن هذه المرة تم إدخال عامل جديد وهو العامل الجيوديني حيت استخدم رونالد ريغن ومارغريت تاتشر بل واستدعيا مفهوم الجهاد والشهادة عند المسلمين في مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، حيث عُرض الصراع بين القوى الكبرى على المصالح الإستراتيجية على أنه حرب بين المسلمين والكفار، ولقد استخدمت الدول العربية وأنظمتها وقياداتها الدينية أسوأ استخدام، والأخطر من ذلك أن هذه المرحلة أسست لظهور التطرف السني وعمقت مفهوم الإرهاب لدى الجيل الجديد وأنعشت دعاة الطائفة والغلو في الدين.

وبعد إنجاز الغرب لهدفهم الإستراتيجي بدأ مفكروه وقادته السياسيون في طرح ما سمي بـ“صدام الحضارات” وتعارض الإسلام مع القيم الغربية وتضاده مع الديمقراطية والحرية، بل تطور هذا الطرح إلى أن وصل إلى ما سمي بالإسلاموفوبيا، وتم دعم هذه الأطروحات النظرية بالعمليات الإرهابية التي يقوم بها بقايا مجاهدي أفغانستان وتنظيم القاعدة وبقية المتوحشين.

بعد اجتياح العراق واستخدام الشيعة بكفاءة عالية من قبل الغرب للعودة للمناطق التي كانت محرمة عليهم، وبعد فشل القوات الأميركية في تحمل لهيب الصحراء العراقية، عملوا على تبني آلية التفريغ السلبي للعدو، وهو أن ينقسم العدو ذاته إلى خصمين ليتمكن الخصم الحقيقي لكلاهما من تغذية الطرفين ليتم إنهاكهما وتجنيب الخصم أي خسائر، وهذا هو ما حدث بعد إرغام القوات الأميركية على الخروج من العراق.

إن الاتفاق الأميركي الإيراني، والتحالف التركي الأميركي في سوريا، بالإضافة إلى التحالف الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة سيكون على حساب المصلحة العربية، والأخطر من ذلك أن هذه التحالفات سوف تنتهج سيناريو يهدف إلى تحقيق ما يمكن تسميته بالعامل الجيوديني أو المذهبي حيث تقسم المنطقة ذات العقيدة الواحدة إلى سنة وشيعة، بل يتم تقسيم السنة إلى متطرفين ومعتدلين، ويقسم المتطرفين إلى القاعدة وداعش والإخوان المسلمين وأنصار الشريعة وغيرها، في حين يقسم الشيعة فقط إلى محافظين وليبراليين، وهذا يعني أن النظام الإيراني يعتبره الغرب نظاما ديمقراطيا به قوى يمينية وقوى أخرى في الوسط واليسار، في حين أن السنة والتي تضم غالبية العرب المسلمين ليسوا كذلك فهم تنظيمات إرهابية متطرفة أو قوى أخرى متحالفة مع الغرب ضد الإرهاب.

الأخطر من ذلك أن فيروس المذهبية سوف يقسم الأقطار العربية، ليس إلى يمين ويسار أو محافظين وليبراليين، بل إلى قوى تابعة لإيران وضد أنظمتها بحجة الولاء للمرجع الأعلى، ثم قد يتطور هذا السيناريو إلى اصطفاف المذاهب الإسلامية إلى السنة أو الشيعة، ويتحول الصراع ضد الفقر والتخلف إلى اقتتال على جملة قالها ابن تيمية أو المودودي أو عبارة نطقت بها إحدى المرجعيات التي قد لا تجيد نطق العربية.

كاتب ليبي

9