التحالفات الجديدة لواشنطن بمواجهة بكين تخلق خلافات مع الحلفاء التقليديين

الرئيس جو بايدن يعتمد سياسة الحزم نفسها التي أبداها سلفه حيال الصين مع رفع شعار "أميركا أولا" رغم امتعاض حلفائه الأوروبيين من سياسة الأمر الواقع.
السبت 2021/09/18
مواجهة مفتوحة

واشنطن- يهدد توجه الولايات المتحدة نحو بناء تحالفات جديدة لمواجهة نفوذ الصين بنشوب خلافات مع الحلفاء التقليديين لواشنطن على غرار باريس، وذلك في وقت يخط فيه الرئيس الأميركي جو بايدن مساره في هذا الصدد ببرودة.

ويشكل التحالف في المحيطين الهندي والهادئ الذي أعلن عنه مع أستراليا والمملكة المتحدة الأربعاء، أحدث تجليات هذه البراغماتية الدبلوماسية في محاولة للجم طموحات بكين المتعاظمة.

لكن هذا التحالف جاء على حساب فرنسا التي تجد نفسها مستبعدة. كما خسرت طلبية ضخمة تشمل غواصات كانت بصدد بيعها لكانبيرا. وأكد بنجامان حداد من معهد “أتلانتيك كاونسل” البحثي أن “المنافسة مع الصين تحظى بالأولوية. أما ما تبقى فمجرد تفاصيل”.

ورأى الباحث الفرنسي المقيم في الولايات المتحدة أن ذلك يشكل “نوعا من الاستمرارية” مع شعار “أميركا أولا” الذي رفعه عاليا الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب في الجوهر، فضلا عن أنه “إمعان في نهج متفرد نسبيا”.

واعتمد بايدن على الفور الحزم نفسه الذي أبداه سلفه حيال العملاق الآسيوي الذي يعتبر “التحدي الجيوسياسي الأكبر في القرن الحادي والعشرين”، بحسب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن.

بنجامان حداد: منافسة واشنطن لبكين تحظى بالأولوية، أما البقية فتفاصيل

لكن رسالته حول “عودة الولايات المتحدة” التي سعى إلى تمريرها في صفوف حلفاء الولايات المتحدة، كانت تعد بالعودة عن النهج المتفرد والسيادي لسلفه دونالد ترامب.

وبدا أن الأشهر الأولى من ولاية بايدن شهدت ضمانات بهذا الاتجاه مع بادرات كثيرة باتجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والعزم المعلن لبناء جبهة مشتركة مناهضة للصين عبر الأطلسي. لكن الانسحاب من أفغانستان أظهر محدودية هذا المسعى.

فرغم المشاورات التي أجريت حول هذه المسألة الحساسة فإن الكثير من الحلفاء الأوروبيين وعلى رأسهم الألمان والبريطانيون، لم يخفوا امتعاضهم من سياسة الأمر الواقع التي فرضتها الولايات المتحدة.

ورد بايدن قائلا، غداة انسحاب آخر جندي أميركي من أفغانستان، “العالم يتغير ونحن منخرطون في منافسة حيوية مع الصين”، موضحا أن أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة تشتت تركيز واشنطن وهو أمر لم تعد قادرة على تحمله.

فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل ثمانية أشهر أظهر الرئيس الديمقراطي أن هذا الهدف يتفوق على كل الأهداف الأخرى. فحتى على صعيد السياسة الداخلية يبرر خططه الهائلة للاستثمار الاقتصادي بضرورة الوقوف بقوة في وجه الصين.

وعندما حصل ما لم يكن في الحسبان في تطبيق الاستراتيجية الدولية مثل الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة في الربيع، أو انهيار الجيش الأفغاني المباغت خلال الصيف، بدا الرئيس الأميركي للوهلة الأولى مشتتا وكما لو أنه مستاء من تطورات تجعله يحيد عن المسار الذي رسمه.

ومن منظار واشنطن، لا يتناقض التحالف في المحيطين الهندي والهادئ بالضرورة مع النهج متعدد الأطراف الذي روج له جو بايدن.

ورأى والتر لومان مدير الدراسات الآسيوية في مؤسسة “هريتدج” المحافظة أن هذا التحالف “يركز على الأهمية التي تولى للتحالفات والشراكات”. واعتبر أن مواجهة “التحدي الصيني” تحتاج “إلى كل الإرادات الطيبة”.

ويشكل تزويد أستراليا بغواصات تعمل بالدفع النووي قادرة على الإفلات بسهولة أكبر من رقابة بكين، “تطورا بغاية الأهمية” يبرر بنظره هذه الطعنة الصغيرة الموجهة إلى العلاقة الفرنسية – الأميركية.

وأوضح “في نهاية المطاف الفرنسيون لديهم خبرة ويدركون كيف تحصل صفقات بيع الأسلحة أكثر من غيرهم. وسيتجاوزون هذا الأمر”. وأضاف لومان “لكن من المهم الاحتفاظ بدور مستقبلي لفرنسا في استراتيجية الولايات المتحدة في تلك المنطقة، بشكل مواز ربما”.

وقد تضطر الدول الغربية إلى التكيف مع هذه العلاقات المتقلبة. وحذر بنجامان حداد من أن إدارة بايدن ستعطي الأولوية “لتحالفات متقلبة وفقا لمصالحها”، لكنه تخوف من أن تتراجع “أوروبا أكثر فأكثر عن صدارة الاهتمام”.

ورغم أصوله الإيرلندية وتأييده للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي فإن الرئيس الأميركي يبدو أنه يكرس أكثر من أي وقت مضى “التحول” باتجاه آسيا، الذي باشره قبل حوالي عقد على زمن الديمقراطي باراك أوباما الذي كان بايدن نائبا له في الرئاسة الأميركية.

5