التحالفات الدولية نوع جديد من حرب الزعامة في الشرق الأوسط

الثلاثاء 2014/07/22
إشعال فتيل الإرهاب في الداخل المصري للحؤول دون عودة القاهرة للعب دورها الإقليمي

القاهرة – التحولات الإقليمية التي رافقت ما سمي بـ”الربيع العربي”، حصرت الصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط بين قطبين اثنين(السعودية ومصر وبلدان الخليج من جهة، وإيران وتركيا وقطر من جهة أخرى)، كلّ منهما يحمل مصالح وأجندات مختلفة عن الآخر، لكن التنبّؤ بالمنتصر مازال رهينا لحسابات عدّة.

لطالما مثلت منطقة الشرق الأوسط فضاء هاما لبسط النفوذ وإحكام الهيمنة الإقليمية، مما جعلها منطقة ساخنة وخاضعة للتغيرات والتحولات على الدوام. فمنذ بداية خمسينات القرن الماضي وإلى غاية عام 1960 كانت القاهرة، عاصمة العالم العربي حينها، سيدة الموقف في المنطقة، لكن انتصار إسرائيل في حرب عام 1967، ووفاة عبد الناصر عام 1970 وارتفاع أسعار النفط بعد حرب عام 1973، مثلت عوامل أنهت حقبة زعامة مصر على العالم العربي.

مع ارتفاع الثروات النفطية لدول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، تغيرت الخارطة وأصبحت الرياض ذات نفوذ سياسي، لاسيما خلال حربي الخليج الأولى والثانية وتبيّن من خلال هاتين الحربين أنّ النفط يمكن أن يغير خريطة النفوذ الإقليمية، وهو ما دفع واشنطن إلى الحديث دائما عن توسعات إيران في المنطقة وأطماعها في منطقة الخليج العربي، وهو ما زاد من حاجة دول الخليج إلى الحماية الأميركية. وبعد الربيع العربي وما خلفه من صعود لتيار الإسلام السياسي، ظهرت على الساحة الإقليمية تحالفات دولية بشكل مختلف تركّزت أساسا في معسكرين؛ الأول يضمّ كلاّ من إيران وقطر وتركيا، والثاني بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.


الطائفية أنتجت فراغ زعامة


في هذا الإطار يقول سعيد اللاوندي، خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إنه بعد حرب الخليج، في النصف الأول من 1990، واتفاق أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين ومعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين تجربة حظ إسرائيل في الشرق الأوسط، من خلال تمسكه بإبرام معاهدة سلام مع فلسطين لحل الدولتين، ومن ثم فتح أسواق وتعاون اقتصادي متميز مع الدول العربية، لكن بدّد اغتيال رابين في عام 1995 هذه الآمال، وتعثرت عملية السلام بحلول نهاية العقد، كما ارتفعت تمثيلية اليمين الجديد، الذي يرفض أيّ سلام ويعمل على التخلّص من أيّ تقارب مع الجيران العرب، في السلطة الإسرائيلية.

يضيف اللاوندي أنّ كثرة التجاذبات والطائفية والدينية تقف وراء فراغ الزعامة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تظهر أيّة دولة عربية أو إقليمية قادرة على قيادة المنطقة، سواء عبر السلطة أو الموارد أو المصداقية، حتى انتشرت الطائفية التي كان يغذيها الاحتلال الأميركي للعراق، كما شهدت الجمهوريات العربية مثل مصر وسوريا، وتونس، مستويات مروّعة من الفساد الّذي أدى إلى تآكل الأساس الّذي كانت تقوم عليه هذه الدول في فترة الخمسينات، لاسيما من حيث العدالة والمساواة الاجتماعية.

الإصلاح الاقتصادي وتخلي مصر عن المنح والقروض الدولية التي تقيدها هما السبيل الوحيد لكي تعيد لعب دورها


تغير موزاين القوى


في نظرة متفائلة بعض الشيء للمستقبل، يرى طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أنّ هناك عاصفة قادمة لا يمكن التنبؤ بها في الشرق الأوسط، سوف تظهر على مدى السنوات القليلة المقبلة. وقد يتم دفعها على نحو متزايد بسبب التركيبة السكانية والاتجاهات الثقافية المتباينة داخل قطاع الشباب في المنطقة. لكن قد تقابلها موجة من التحضّر وزيادة الليبرالية، وهو ما قد يضعف الإسلاميين ومؤيديهم في المنطقة، بسبب محاولات بعض الدول تجديد الخطاب الديني، بما يقوّض آفاق الإسلام السياسي، وبالتالي يكون هناك تكيّف للإسلاميين والتقليديين على حد سواء، وضبط الموجات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعددة داخل المجتمعات العربية.

ويؤكد فهمي أن المشهد الاستراتيجي في المنطقة اختلف تماما في عام 2011، الذي شهد الكثير من التخبّط والفشل في وضع مشاريع سياسية وطنية أو إقليمية. حيث أحدثت ثورات الربيع العربي وسقوط بعض الأنظمة الحاكمة تغيرات في موازين القوى وانهيار التحالفات القديمة.

ويرى الباحث أن الانتفاضات العربية في السنوات الثلاث الماضية هزت ميزان القوى، كما أنّ هناك قوى أخرى مازالت في الملعب السياسي والثوري، ولم يتحدد مصير نظامها حتى الآن، وتحديدا في سوريا التي تعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي برمّته في الشرق الأوسط، لأنّ سقوط بشار الأسد من عدمه، ستكون نتائجه تحويل المنطقة بأكملها إلى منافسة إقليمية من شمال أفريقيا إلى الخليج العربي.

في قراءة تفصيلية أكثر للأحداث، يؤكّد جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، أنه في قلب هذا التحوّل توجد مجموعتان من البلدان والقوى الإقليمية مع أهداف متعارضة، الأولى بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة وكذلك الأردن، والتي تمثل حائط صد ضد الاختراقات التي تعاني منها دول تعيش حالة من التشرذم مثل العراق ولبنان وسوريا.

صعود الإسلام السياسي بعد ما سمي بـ"الربيع العربي" أسهم في ظهور تحالفات جديدة مختلفة عن سابقاتها

أمّا الثانية فبقيادة القوى الإسلامية وتتمثل في إيران وقطر وتركيا، التي تساند الجماعات السياسية العربية الإسلامية الكبيرة مثل جماعة الإخوان المسلمين، وتهدف إلى توجيه طاقة الانتفاضات العربية نحو أسلمة تدريجية للمنطقة، تختلف باختلاف الأيديولوجيات والخلفيات والظروف الاجتماعية والسياسية لكل بلد.

زهران أشار كذلك إلى أنّ ظهور تحالفات دولية يُعتبر نوعا جديدا من حرب الزعامة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد أن كانت الصراعات في السابق تنحصر بين الأنظمة العلمانية والإسلاميين، على سبيل المثال عبدالناصر والإخوان في فترة الخمسينات، أو بين نظام الأسد والإخوان في أواخر السبعينات، فبعد أن كان الصراع عربيا إسرائيليا في المقام الأول أصبح طائفيا في ما بعد، وتحديدا بين السُنة والشيعة تزامنا مع تصاعد النبرة الطائفية في المنطقة.

هذه التغيرات التي شهدتها المنطقة على مستوى تحول الصراع، تُنبئ حسب جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، بوقوع صراع سياسي آخر طويل الأمد بين معسكر إيران وقطر وتركيا، وبين المعسكر الثاني بقيادة السعودية ومصر، ومن المتوقع أن يتم نمو الصراع خلال الأعوام القادمة في بعض القضايا الإقليمية بين هذين المعسكرين، خاصة وأن المعسكر الأول يراهن على استمرار مصر في نزاعاتها الداخلية، فبعد أن كانت منارة العالم العربي في المنطقة، إلا أنها خفتت قليلا بعد صعود الإسلام السياسي الذي تشكّل بالفعل منذ سقوط الرئيس حسني مبارك. ومنذ الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسي وعزله عن منصبه في الصيف الماضي، يوجد صراع دائر بين القوميين والمؤسسة العسكرية من جانب، وبين الإسلاميين من جانب آخر.

لكنّ يظل الإصلاح الاقتصادي وتخلي مصر عن المنح والقروض الدولية التي تقيّد قرارها السياسي، حسب عودة، كفيلا باستعادتها لمكانتها كلاعب في المنطقة وتعزيز نفوذ المعسكر الثاني مع السعودية. ومن المتوقع أن تظل الفوضى في الشرق الأوسط مستمرة خلال العقد المقبل، بسبب عدم وضع حد للأزمة السياسية والحرب الأهلية في سوريا، التي تلقي بظلالها على جميع دول المنطقة.

7